في دفءِ المنزل العُماني الهادئ، حيث تتراقص رائحة التَّوابل العطرة في الهواء، تَقُومُ الجدَّات بإعداد أكثر من مجرَّد طعام. وهكذا ـ سبحان الله ـ مطابخهنَّ ملاذات، وصِفاتهنَّ إرث، وأيديهنَّ كمهندسي التُّراث. في كُلِّ عجينة تُعجن بعناية، وكُلِّ شواء مطبوخ ببطء، وكُلِّ تحريكٍ للحلوى، يَنسجن من خلالها قصص الحُبِّ والعلاقة والهُوِيَّة. ولعلَّ هذه الأطباقَ لا تُغذِّي الجسم فقط، إنَّها تُغذِّي الرُّوح ـ أو كما كُنَّ ـ يربطنَ العائلات بجذورها الثَّقافيَّة. كيف لا؟ ونحنُ في عالَمٍ سريع التَّغيُّر حيث تُهيمن سلاسل الوجبات السَّريعة والوجبات المُصنَّعة أيْنَما ذهَبْنا، لذلك ـ إنْ صحَّ ليَ التَّعبير ـ يُصبح دَوْر الجدَّات العُمانيَّات أكثر قدسيَّة في أيَّامنا هذه. فطعامُهنَّ التَّقليدي ليس مجرَّد وجبات، إنَّه جسرٌ إلى الماضي، ومصدرُ غذاءٍ لحاضرنا، وكنزٌ للأجيال القادمة!
إنَّ تراث الجدَّات العُمانيَّات في الطَّهي هو شهادة على تاريخ البلاد الغني، والَّذي شكَّله تأثير ثقافات مختلفة، وعلى امتداد تاريخ الامبراطوريَّة العُمانيَّة، لِيحكيَ كُلُّ طبَقٍ قصَّةَ طُرقِ التِّجارة والبحَّارة والبقاء في الصَّحراء. فعلى سبيل المثال، إعداد الشِّواء، ليس مجرَّد عمليَّة طهي، بل هو طقوس تجمع العائلات خلال احتفالات العيد. لِتتأكَّدَ الجدَّات من أنَّ كُلَّ طبَقٍ يحملُ معه جوهرَ الهُوِيَّةِ العائليَّة والثَّقافيَّة. ومع ذلك، فإنَّ نقْلَ المعرفةِ هذا لا يحافظُ على الوصفات فحسب، بل إنَّه يغرسُ أيضًا قِيَمًا مِثل الصَّبر وسَعة الحيلة والوحدة.
ولعلَّ ما يُثير اهتمامي هُنَا، أنَّ الحكمة المتأصِّلة في هذه الوصفاتِ التَّقليديَّة تتوافقُ مع علوم التَّغذية الحديثة. لقد استخدمتِ الجدَّات منذُ فترةٍ طويلة مُكوِّنات مِثل الكُركم والتَّمر والمأكولات البحريَّة الطَّازجة، والَّتي يتمُّ الاحتفال بكُلٍّ مِنْها اليوم لفوائدِها الصحيَّة. فالكُركم ـ مثلًا ـ هو عنصرٌ أساسي في العديد من الأطباق العُمانيَّة، وهو مضادٌّ قوي للالتهابات. بل إنَّ التَّمرَ، الَّذي يُصاحبُ كُلَّ وجبةٍ تقريبًا، غني بمضادَّات الأكسدة والطَّاقة الطَّبيعيَّة. علاوةً على ذلك، فإنَّ الأطعمة المخمَّرة مِثل اللَّبن تُعزِّز صحَّة الأمعاء، في حين أنَّ التوابلَ مِثل القرفة والهيل تنظِّم مستويات السكَّر في الدَّم وتساعد على الهضم. ومن هُنَا جاءتِ الأبحاثُ لِتسلِّطَ الضَّوء على فوائد هذه الأنظمة الغذائيَّة، وتربطها بانخفاض مخاطر الإصابة بالأمراض المُزمنة مِثل مرض السكَّري وأمراض القلب والأوعية الدمويَّة. وبهذه الطَّريقة، تقدم حكمة جدَّاتنا (بل وأُمَّهاتنا أيضًا) في مجال الطهي دروسًا ليس فقط للحفاظ على الثَّقافة ولكن أيضًا للممارسات الصحيَّة الحديثة!
ومع ذلك، فإنَّ أهميَّة أطعمة الجدَّة تمتدُّ إلى ما هو أبعدَ من الصحَّة البدنيَّة، حيث إنَّ عمليَّة إعداد الوجبات ومشاركتها تُعزِّز الصحَّة العاطفيَّة والنَّفسيَّة، خصوصًا إذا ما ذكَرنا أنَّ الدِّراسات في عِلم النَّفْس، تُشير إلى أنَّ الطهي سويًّا يُقوِّي الرَّوابط الأُسريَّة ويُقلِّل من التوتُّر. ففي سلطنة عُمان، غالبًا ما يكُونُ المطبخ بمثابةِ فصلٍ دراسي حيث لا تَقُومُ الجدَّات بتعليم الوصفات فحسب، بل أيضًا دروس الحياة وتاريخ العائلة. ويُصبح إعداد أطباق مِثل الهريس (عصيدة القمح واللَّحم أو الدَّجاج المطبوخة ببطء) أو المجبوس (طبَق الأرز واللَّحم المتبَّل) بمثابة حوار بَيْنَ الأجيال، ممَّا يُعزِّز الرَّوابط ويغرسُ الفخرَ بالتُّراث. علاوةً على ذلك، تُمثِّل هذه الأطعمة شكلًا عميقًا من أشكال الرِّعاية الذَّاتيَّة للجدَّات أنفسهنَّ. فالمطبخ، كما يشهدُ الجميع، هو مملكتهم الأبديَّة، والطَّبخ هو لُغتهم السِّريَّة للتَّعبير عن الحُبِّ وتجسيد دَوْرهنَّ كعماد الأُسرة. أوَلَسْنا نستحضر تلك اللحظات الَّتي كانت فيها جدَّاتنا يجدنَ في إطعام الآخرين شعورًا بالمسؤوليَّة العميقة والفرح المتأصِّل؟ شعورًا لا يُغذِّي فقط بطون العائلة، بل ينسج أيضًا خيوط الألفة والدِّفء في قلب النَّسيج العاطفي للأُسرة؟
من ناحية أخرى ـ وللأسف ـ تبدو العولمة والتَّغيُّرات المتسارعة الَّتي نشهدها اليوم أشبَه برياحٍ عاتيَّة تُهدِّد جذور تقاليد الطَّهي الرَّاسخة. فلقد أسهمَتْ سهولة الحصول على الوجبات السَّريعة والتَّشابه الَّذي فرضته الأنظمة الغذائيَّة العالَميَّة في دفع الأجيال الشَّابَّة بعيدًا عن دفء الطهي التَّقليدي. وعَلَيْه، فإنَّ هذا التَّحوُّل لا يُهدِّد اندثار الوصفات فحسب، بل يعرض أيضًا الهُوِيَّة الثَّقافيَّة الَّتي تُمثِّلها هذه الأطباق لخطرِ التَّلاشي. ومع ذلك ـ ورُبَّما هُنَا يكمن بريق الأمل ـ تظهر بَيْنَ الحين والآخر مبادرات تزرع بذور الحفاظ على تراث الطَّهي العُماني، لِتنموَ وتُزهر في جميع أنحاء السَّلطنة. فتلك المهرجانات الثَّقافيَّة لا تحتفي فقط بالأطباق العُمانيَّة، بل تُحيي قصصها وأسرارها، وحلقات العمل تمدُّ يد العطاء للأجيال الشَّابَّة، تلقِّنهم فنون الطَّبخ التَّقليدي وكأنَّها تورثهم مفاتيح ذاكرة الوطن.
ختامًا، إنَّ تقاليد الطَّهي لدَى الجدَّات العُمانيَّات هي أكثر من مجرَّد وصفات، إنَّه تجسيد للحُبِّ والتَّاريخ والصحَّة. وبما أنَّ التَّحديث يُهدِّد بإضعاف هذه الممارسات، أجزم أنَّه من الضروري الحفاظ عَلَيْها والاحتفال بها. بل وتوثيقها، وتشجيع الأجيال الشَّابة على التَّعلُّم، والاعتراف بقِيمة هذه التَّقاليد، وذلك لضمانِ استمرار هذا الإرث. فهذه الأطعمة ليسَتْ مجرَّد طعم للماضي ولكنَّها دليل للمستقبل أيضًا. فهنَّ يُعلِّمْنَنا أهميَّة التَّوازن وقِيمة الأُسرة وقوَّة الحُب العلاجيَّة الَّتي يتمُّ التَّعبير عَنْها من خلال الطَّعام. فتتجاوز هذه الأطباق كونها مجرَّد نكهات على طبَق! إنَّها شعر متحرِّك، مكتوب بأيدٍ تغلب عَلَيْها الزَّمن، لِتمسكَ ملعقةً تحمل قصَّة، ودرسًا، وذكرى. لذا، فإنَّ الجلوس على طاولة الجدَّة العُمانيَّة يعني تجربة جوهر عُمان نفسها. ـ بل وإن استطعت القول ـ وأنا أذكر جدَّتي ـ رحمها الله ـ إنَّه تذوق التَّاريخ، مرونتها وكرمها وروحها الدَّائمة. لتذكِّرَنا هذه الأطعمة أنَّه على الرَّغم من أنَّ الحياة قد تكُونُ سريعةً وعابرة، إلَّا أنَّ روابط الأُسرة والتَّقاليد الطيِّبة أبديَّة... فلْنُكرم هؤلاء الجدَّات ومطابخهنَّ وحكمتهنَّ الخالدة، فهُنَّ القلبُ النَّابضُ لِتُراثِنا الوطني.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي