الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

جينات السرطان الخفية.. والرجال!

جينات السرطان الخفية.. والرجال!
الاثنين - 25 نوفمبر 2024 04:28 م

د. يوسف بن علي الملَّا

30

في سيمفونيَّة الحياة، حيث تكُونُ الصحَّة لحنًا ونغمةً هشَّة في نَفْسِ الوقت، هناك نغمة صامتة ـ إن استطعت القول ـ إرث وراثي ينتقل عَبْرَ الزَّمن، وغالبًا ما لا يلاحظه أحَد، ولكنَّه مؤثِّر للغاية! مِثل همسة الأسلاف، تحمل جينات سرطان الثَّدي المعروفة (بي آر سي آي) أسرارًا في بنيتها، وأسرارًا يُمكِنها تحديد مصير أولئك الَّذين يحملونها.

طبعًا هذه الجينات، الَّتي يُحتفى بها كحرَّاس للحمض النَّووي، يُنظر إِلَيْها الآن في ضوءٍ جديد، ممَّا يكشفُ عن نقاط ضعفها، ليس فقط عِندَ النِّساء، بل أيضًا عِندَ الرِّجال. حيث إنَّه ولسنواتٍ، ظلَّت قصَّتهم تُروى من خلال عدسة سرطان الثَّدي والمبيض، ومع ذلك فإنَّهم يتحمَّلون عبئًا آخر أقلَّ وضوحًا، ألَا وهو زيادة مخاطر الإصابة بسرطان البروستاتا والبنكرياس والسَّرطان الميلانيني لدَى الرِّجال. والسُّؤال الَّذي أطرحه وبشكلٍ جدي هُنَا: كيف يُمكِن للإنسان أن يستمعَ إلى هذه العلامات الصَّامتة قَبل أن تتحولَ إلى مآسٍ مدوِّية؟

بطبيعة الحال، تُعَدُّ جينات (بي آر سي آي 1) ومثيلتها الجين (2) جينات حيويَّة للصحَّة الخلويَّة، حيث تعمل كآليَّات إصلاح لتلفِ الحمض النَّووي. ومع ذلك، عِندَما تتحور أو تحدُث معها طفرة، ينهار ـ للأسف ـ دَوْرها الوقائي، ممَّا يُمهِّد الطَّريق لتطوُّر السَّرطان. وعلى الرَّغم من أنَّ هذه الطَّفرات ترتبط عادةً بالنِّساء، إلَّا أنَّها محفوفة بالمخاطر بالنِّسبة للرِّجال، حيث كشفتِ الأبحاث بأنَّ الرِّجالَ الَّذين لدَيْهم طفرة في الجين (بي آر سي آي 2) لدَيْهم فرصة بنسبة عشرين في المئةِ للإصابة بسرطان البروستاتا بحلولِ سنِّ السَّبعين عامًا. كما وأنَّها تزيد بشكلٍ كبير من احتمال الإصابة بسرطان البنكرياس والجِلد.

وهُنَا نذهبُ لمجلَّة عِلم الأورام السريريَّة، والَّتي ذكَرتْ في عام2023م، أنَّ الرِّجالَ الَّذين يُعانون من طفراتٍ في جين (بي آر سي آي 2)، لا يواجهون مخاطر الإصابة بالسَّرطان أعلى فحسب، بل يواجهون أيضًا نتائج أسوأ بسبب التَّشخيص المتأخِّر. وأجزمُ هُنَا بأنَّ هذا يسلِّطُ الضَّوءَ على الحاجة المُلحَّة لإجراء اختباراتٍ استباقيَّة، وهي خطوة غالبًا ما تطغَى عَلَيْها المفاهيم الخاطئة المُجتمعيَّة الَّتي تقول إنَّ الجينات الوراثيَّة للسَّرطان تتعلق بالنِّساء في المقام الأوَّل!

ولذلك سنُلاحظ أنَّه في جميع أنحاء العالَم، بدأت أنظمة الرِّعاية الصحيَّة في معالجة هذا التَّفاوت. ففي الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة ـ على سبيل المثال ـ توصي إرشادات الفحص الجيني الآن بإجراء اختبار للرِّجال الَّذين لدَيْهم تاريخ عائلي من السَّرطانات المرتبطة بجين (بي آر سي آي) حتَّى أنَّه في أستراليا بدأتِ الحمَلات على دمجِ اختبار (بي آر سي آي) في برامج الوقاية من السَّرطان الأوسع، والَّتي تستهدف الرِّجال والنِّساء على حدٍّ سواء. وعَلَيْه يَجِبُ أن نعيَ بأنَّ هذه الجهودَ تدلُّ على الاعترافِ المتزايد بأنَّ المخاطرَ الجينيَّة تتجاوز الجنس، وتتطلب اتِّباعَ نهجٍ مُوَحَّد... أوَلَيْسَ كذلك؟!

من ناحية أخرى، وإلى جانب فوائدِه الصحيَّة، يُقدِّم الفحص الجيني مزايا اقتصاديَّة كبيرة، خصوصًا وأنَّ علاجَ السَّرطان في مراحله المُبكرة يكلِّفُ أقلَّ بكثير من علاج الأمراض المتقدِّمة. ووفقًا لأحَد التَّحاليل البحثيَّة لعام2022م، فإنَّ تنفيذَ برامج الاختبارات الجينيَّة يُمكِن أن ينقذَ الملايين سنويًّا من خلال تمكين التَّدخُّلات المُبكرة. بل وإنَّني أرَى أنَّه ومن النَّاحية العاطفيَّة، فإنَّ الوضوحَ الَّذي توفِّره الاستشارة الوراثيَّة يُمكِّن الأُسر من التَّغلُّب على المخاطر الوراثيَّة بثقةٍ، وتحويل القلقِ إلى استراتيجيَّات صحيَّة قابلة للتَّنفيذ. ختامًا، آمُل أن يتمَّ تَبنِّي هذه المبادرة بدمج الاختبارات الجينيَّة هذه للرِّجال أيضًا في نظامنا الصحِّي بسلطنة عُمان، وفي الفحوصات الطبيَّة الروتينيَّة، وخصوصًا لأولئك الَّذين لدَيْهم تاريخ عائلي من السَّرطانات المرتبطة بهذه الجينات (بي آر سي آي). يقول الرومي: لا تحزن، فأيُّ شيء تفقده سيَعُودُ إِلَيْك في هيئة أخرى. لذلك فالاختبارات الجينيَّة هذه تُمثِّل الإمكانيَّة التَّحويليَّة، حيث تحوَّل عبء المخاطر الموروثة إلى ضوءٍ للعمل المستنير. كيف لا؟ ومن خلال تَبنِّي الفحص الجيني للذكور، فإنَّنا لا ننقذ الأرواح فحسب، بل نُعِيدُ أيضًا تشكيلَ قصَّة الوقاية من السَّرطان. وهكذا مع كُلِّ جينٍ تمَّ اختباره، وكلِّ حياة يتمُّ إنقاذها، فإنَّنا نقتربُ أكثر من مستقبل حيث لم تَعُدِ الصحَّة تحت رحمة التَّهديدات الصَّامتة... فلْنَستمعْ إلى همسات جيناتنا ونتصرَّفْ قَبل أن تصبحَ أصداء ندمٍ لنَا!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]