الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

حرب كاشفة للأقنعة

حرب كاشفة للأقنعة
إبراهيم بدوي
الاثنين - 29 يناير 2024 04:38 م

إبراهيم بدوي

10


مرَّة تلو الأخرى تكشف الحرب الدَّائرة في قِطاع غزَّة ضعف وفشل المُجتمع الدولي في اتِّخاذ موقف واضح ينحاز لأصحاب الحقِّ في هذا الصراع الدَّائر، الَّذي تحوَّل لحرب إبادة جماعيَّة تأكل الأخضر واليابس في الأراضي الفلسطينيَّة المُحتلَّة، وعلى رأسها قِطاع غزَّة الَّذي يرزح أكثر من مليونيْنِ من سكَّانه تحت الإرادة الصهيونيَّة الَّتي تمارس أبشع الجرائم من قتلٍ وتشريدٍ وتهجير وحصار خانق يرفض إدخال المساعدات، دُونَ أن يتجرأَ أحَد في العالَم على محاسبة «إسرائيل» على ما ترتكبه من جرائم، لا تُمثِّل خطرًا على الفلسطينيِّين العُزَّل فقط، لكنَّ خطرها باتَ يُشكِّل تهديدًا كبيرًا للأمن والسِّلم والاستقرار ليس في المنطقة فحسب، بل إنَّ هذه الغطرسة الإسرائيليَّة باتَتْ تُهدِّد السَّلام في العالَم أجمع.

إنَّ السَّلام العالَمي المُهدَّد بطغيان مبدأ البقاء للأقوى بسبب عدم محاسبة «إسرائيل» وأعوانها على ما ترتكب من جرائم، يدفع العالَم لصراعات وإرهاصات شبيهة بما حدَث قُبيل الحربيْنِ العالَميَّتيْنِ الأولى والثانية. فالمعايير المزدوجة القائمة على مصالح القوى الكبرى، كانت الشرارة الَّتي انطلقت مِنْها الحربان العالَميَّتان الماضيتان، والَّلتان كلَّفتا الإنسانيَّة ثمنًا باهظًا على كافَّة المستويات والأصعدة، على الرغم من ضعف الإمكانات العسكريَّة وقتها، عمَّا هو موجود في عالَمنا الحديث. فالقوَّة العسكريَّة في عالَمنا المعاصِر تُنذر بإبادة جماعيَّة ليس لسكَّان القِطاع المغلوب على أمْره، لكنَّها ستخرج عن السيطرة ويكتوي بنيرانها الجميع، حتَّى الدوَل الَّتي تساند «إسرائيل» وتدعمها لَنْ تسْلمَ من دفع فاتورة هذا الصراع القادم.

فعدم الاعتداد بالقرارات الأُمميَّة والدوليَّة والقوانين يدفع الجميع نَحْوَ سباق محموم من التسلُّح، الَّذي يقضي على الآمال المتبقِّية في إحداث نهضة تنمويَّة عالَميَّة تتدارك أخطاء الماضي، وتعمل على تحقيق التنمية المستدامة المطلوبة، وذلك نتيجة ما أحدثته حرب غزَّة من فقدان جماعي في الثِّقة، فما تمَّ سنُّه من قوانين ومعاهدات دوليَّة في مرحلة ما بعد الحرب العالَميَّة الثانية، والعجز الواضح للمنظَّمات والكيانات الدوليَّة، الَّذي منعها من اتِّخاذ قرار مُلزم بصيغة تنفيذيَّة يحُولُ بَيْنَ سكَّان غزَّة، وبَيْنَ ما يُرتكب ضدَّهم من جرائم، بالإضافة إلى وضوح دعم ومساندة العديد من الدوَل الغربيَّة وعلى رأسها واشنطن لـ»إسرائيل»، رغم شعارات تلك الدوَل السَّابقة عن السَّلام، لدرجة أنَّها باتَتْ راعية أحاديَّة لهذا السَّلام المزعوم.

والَّذي أكَّدت الأيَّام أنَّه كان مجرَّد وهْمٍ وسراب، يعطي الوقت الكافي لدَولة الاحتلال «الإسرائيلي» لفرض رؤيتها الأحاديَّة، والعمل على تصفية الحقوق الفلسطينيَّة بشتَّى السُّبل والطُّرق، وهو ما يوضِّح أيضًا الطرف المعطِّل لكافَّة مفاوضات السَّلام الماضية، والَّتي سَعَتْ خلالها واشنطن للضَّغط على الجانب الفلسطيني لتقديم التنازلات الَّتي تريدها «إسرائيل»، وحاولت حتَّى تغيير القيادة الفلسطينيَّة بأخرى تلتزم بالرؤية الصهيونيَّة، لكنَّها فشلت في ذلك نتيجة لصمود أبناء فلسطين، وعدم تفريطهم في حقوقهم المشروعة والَّتي اعترفت بها كافَّة القرارات الدوليَّة السَّابقة، فمن يعلن دعمه المطلق ويوافق على استمرار آلة القتل الصهيونيَّة بهذا الشَّكل المعلَن، ندرك كم سعى إلى فرض وصايته في الغرف المغلقة للمفاوضات، لتمرير الرؤية «الإسرائيليَّة» للحلِّ، فكما أكَّدنا من قَبل أنَّ حرب غزَّة المستمرَّة، كشفت السِّتار عن المزاعم الخاصَّة برعاية السَّلام، ولَمْ تعطِ مساحة لحُسن الظنِّ في المستقبل.

إبراهيم بدوي