تُعبِّر البرلماناتُ ومجالسُ الشُّورى عن حالةِ نهجٍ إنساني وعالَمي متقدِّم. والإسلام كان سبَّاقًا في نهجِ الشُّورى فقال سبحانه وتعالى: «وأمْرُهم شورى بَيْنَهم» و»وشاوِرْهم في الأمْرِ» صدق الله العظيم. ومن خلال هذا الدستور الإلهي بدأت عمليَّة الشُّورى في الدَّولة الإسلاميَّة الأُولى الَّتي قادَها خير البَشَر الرَّسول محمد «صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم» مستلهِمةً تلك التَّوجيهات الإلهيَّة فتجسَّدتِ الشُّورى في واقع دَولة الإسلام الأُولى من خلال عدَّة أحداثٍ مصيريَّة مِنْها مسألة الخروج لملاقاةِ قريش في معركة بدر، ومِنْها المشورة في معركة الخندق، وكذلك غيرهما من الأحداث. وجاءتِ الخلافةُ الرَّاشدة مؤكِّدةً على نهجِ الشُّورى بَيْنَ المُسلِمِين فكان أبرزها مسألة اختيار الخليفة الثَّالث للمُسلِمِين حيث رشَّح الخليفة الثَّاني الفاروق عمر بن الخطَّاب عددًا من كبار الصَّحابة لخلافتِه وهُمْ عليُ بن أبي طالبٍ، وعثمان بن عفَّان، وعبد الرَّحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقَّاص، والزُّبير بن العوَّام، وطلحةُ بن عبيد الله ـ رَضِيَ الله عَنْهم ـ وجعلَ عبدالله بن عمر مشيرًا لَهُم وليس له من الأمْرِ شيء، وحدَّد ثلاثة أيَّام لاختيارِ الخليفة. كما عيَّن صهيب الرومي للصَّلاة إمامًا للمُسلِمِين لكَيْ لا يكُونَ الإمام من بَيْنِ هؤلاء الستَّة، كما عيَّن أبا طلحة الأنصاري لحماية هذا القرار المصيري، وأمره باختيارِ عددٍ من فرسان الأنصار لضمانِ نجاحِ تطبيق عمليَّة الشُّورى، فكانتْ من أعظمِ محطَّاتِ الشُّورى في الإسلام والَّتي انتهتْ بالاتِّفاِق والإجماعِ على مبايعةِ الخليفةِ عثمان بن عفان رَضِيَ الله عَنْهُم جميعًا.
الديمقراطيَّة والحديث عن حُكم الشَّعب واختيار الشَّعب ممثِّلِيه لِيكُونَ الشَّعب شريكًا في السُّلطة، سواء في النُّظم الجماهيريَّة أو الملكيَّة له صيغ كثيرة ومُتعدِّدة، وتدعمُ الأُمم المُتَّحدة ـ وهي المؤسَّسة الدّوليَّة الحاكمة في النِّظام الدّولي الحالي ـ أُسُس الديمقراطيَّة، وتراقب مستوى تطبيق قِيَم الديمقراطيَّة من خلال دعم مؤسَّسات المُجتمع المَدَني وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة ومساعدة الدوَل الخارجة من الصِّراع في وضع دساتير لها. كما تدعمُ البرلمانات الدّوليَّة وما إلى ذلك من إجراءات، وقد تكُونُ لا تتوافقُ تلك الأنماط المُعزِّزة للديمقراطيَّة ظروف وخصوصيَّات الدوَل، إلَّا أنَّ العديدَ من دوَل العالَم تُطبِّق مفهوم الديمقراطيَّة بصيغٍ متفاوتةٍ ومتباينة، وتظلُّ السِّياسات الدِّفاعيَّة والأمنيَّة والشُّؤون الخارجيَّة في غالبيَّة النُّظم السِّياسيَّة حَوْلَ العالَم تُقرِّرها الدَّولة؛ فيما تعرض السِّياسات الدَّاخليَّة والتَّشريعات والقوانين على المجالس البرلمانيَّة لدراستِها وتقديم الملاحظات حَوْلَها، كما يُمكِنها اقتراح مشاريع قوانين جديدة للدِّراسة .
المجالس البرلمانيَّة الدّوليَّة تُعَدُّ أبرزَ نمطٍ يُمكِن أن يُعبِّرَ عن مستوى تطبيقِ الديمقراطيَّة؛ باعتبارِ أنَّ أبرزَ ركائزِها هو اختيار الشَّعب لِمُمثِّليه في البرلمان، ومدَى نجاعة الممارسة الديمقراطيَّة في تطبيقِ الموادِّ المُتاحة لتلك المجالسِ البرلمانيَّة. وتتفاوتِ الموادُّ المُتاحة للمجالسِ البرلمانيَّة بَيْنَ دَولةٍ وأُخرى لِتَصلَ في بعض الدوَل إلى حجبِ الثِّقة عن الحكومات، وهذه مدعاة لمطبَّات غير محمودة أحيانًا. إلَّا أنَّ التَّوازنَ في تطبيقِ الموادِّ المُتاحة وتحقيق طموحات الشَّعب بالمستوى المأمول دَونَ إفراطٍ أو تفريطٍ يُمكِن من خلاله الحُكم على مدَى نجاعة المجالس البرلمانيَّة في الدوَل الوطنيَّة بِغَضِّ النَّظر عمَّا تُقدِّمه الديمقراطيَّة المصدرة من قِيَم مُغلَّفة قد لا تتناسب مع الحالة الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والخصوصيَّات الوطنيَّة للدَّولة.
اختيار أعضاء البرلمانات في مختلف دوَل العالَم يكُونُ غالبًا بَيْنَ التَّعيين والانتخاب، وبعض المجالس يتمُّ تشكيلها بالتَّعيين الجزئي، ورُبَّما ترَى بعض الدوَل أهميَّة التَّعيين لظروفٍ وطنيَّة خاصَّة. وفي كُلِّ الأحوال فإنَّ الاستفتاءَ لتعديلِ الدُّستور وتخويل الحاكم بصلاحيَّة اختيار وتعيين أعضاء المجلس أيضًا يُعبِّر عن قِيَم شَعبيَّة مرتبطة بالديمقراطيَّة؛ باعتبارِ أنَّ الشَّعب هو مَنْ منحَ تلك الصلاحيَّات للقيادةِ العُليا، وهُنَا ـ بلا شكٍّ ـ الحرصُ على تحقيقِ النَّجاح للحالةِ الوطنيَّة، وهي شكلٌ من أشكالِ تطبيقِ الديمقراطيَّةِ من خلال إشراكِ الشَّعب في الاستفتاءِ على التَّعديلات الدستوريَّة ومنحِ الصلاحيَّات للقيادة السياسيَّة في اختيار أعضاء المجلس وإن عُدَّت هذه الصِّيغة الأدْنَى في مسألة حُكم الشَّعب، ولكنَّها قد تُعالج ثغرات في العمليَّة الانتخابيَّة، والشَّعب في الأساس هو مَن منحَ صلاحيَّات التَّعيين وفقَ شكلٍ من أشكال الديمقراطيَّة وهو الاستفتاء. كما أنَّ الديمقراطيَّةَ ليسَتْ محكورة فقط في عمليَّة اختيار الأعضاء، بل الأهمُّ فيها هي الممارسةُ الإيجابيَّة تحت قبَّة البرلمان، والاستفادة من الموادِّ المُتاحة وتحقيق طموحات الشَّعب حسب الحدود الممكنة.
تجاربُ الشُّورى والديمقراطيَّةِ في الوطن العربي قديمة، ولا شكَّ أنَّه من المُهمِّ تقييم الحالة البرلمانيَّة بعد عقودٍ من تأسيسِ البرلمانات العربيَّة، كما ينبغي إعادة قراءة حالة الشُّورى في البُلدان العربيَّة، وخصوصًا الحالة الانتخابيَّة بعيدًا عن الصُّورة النمطيَّة أو رؤية الخارج للديمقراطيَّة؛ باعتبارِ أنَّ لكُلِّ دَولةٍ وطنيَّة خصوصيَّاتها الثقافيَّة والاجتماعيَّة، ويُمكِن وضع استبانة وطنيَّة حَوْلَ الحالة الانتخابيَّة. هل حققتِ المأمولَ بوصولِ كفاءاتٍ نَوْعيَّة لِتَمثيلِ الشَّعب بالشَّكل المأمول؟ وهل يُمكِن الدَّفع باتِّجاه استفتاء تعديلات دستوريَّة تتعلَّق بالمُوافقةِ على تعيينِ أعضاءِ مجالسِ الشُّورى؟ أو التَّعديل في تغيير شكلِ الانتخابات؟ أو فئات النَّاخبِينَ وذلك لِتَجاوزِ بعض الإشكالات الَّتي تُصاحبُ العمليَّة الانتخابيَّة؟ ولا شكَّ أنَّ أيَّ حراكٍ وطنيٍّ مدروسٍ ومُتجدِّد سوف يصبُّ في المصلحة الوطنيَّة.
خميس بن عبيد القطيطي