يعَد الوقف الخيري منظومة تكافليَّة في المُجتمع؛ لدعم ومساندة جميع احتياجات المُجتمع، وهو يُشكِّل احتياطيًّا مدخرًا يسدُّ احتياجات النَّاس عِند الضرورة، ونقصد بالوقف الخيري: هو أن يحبسَ أحَد المقتدرين مالًا له لِيستفيدَ مِنْه النَّاس، على أن يتصفَ هذا المال بالاستدامة، فلا يفنى ولا يهلك لِيظلَّ يستفيد النَّاس مِنْه، وبالتَّالي تظلُّ تلك الأموال مصدرًا مستمرًّا لدعم النَّاس ومساعدتهم. ومن الطبيعي أن تجدَ هناك أعدادًا كبيرة من الأوقاف الخيرية والَّتي غالبا ما تكُونُ هي عبارة عن عقارات، أو أدوات مِثل أدوات الزراعة وغيرها وعلى الجهات المعنيَّة برعاية الوقف اتِّخاذ ما يلزم لحماية هذه الأوقاف من الهلاك واستثمارها بأفضل الصور. وتقع على متولِّي الوقف الخيري، أو بمعنى آخر الأشخاص المعنيين بإدارة الوقف الخيري مسؤوليَّة الحفاظ على العَيْن الموقوفة من الضياع، واستثماره ورعايته لِيتمكَّنَ الموقوف عَلَيْهم الاستفادة مِنْه، وحماية العَيْن الموقوفة من المخاطر.
والواقع أنَّ العالَم مليء بالمخاطر، فالمخاطر تحيط بكُلِّ شيء، تلك سنَّة الحياة، ولا يُمكِننا الابتعاد عن المخاطر، ولكن يُمكِننا حماية أنْفُسنا مِنْها، فكذلك الأوقاف الخيريَّة هي محاطة بالمخاطر وعَلَيْنا وضع النُّظم الَّتي تحميها من هذه المخاطر، ولنقرب الصورة، هَبْ أنَّ لك بيتًا جميلًا في الغابة وسط مناظر خلَّابة، وتحيط به الأشجار والأنهار، وبطبيعة الحال تحيط به مخاطر، فهنا عَلَيْك أن تدرسَ المخاطر الَّتي تحيط ببيتك وتهدِّدَه، لِتعرفَ ما هي الإجراءات الَّتي يجِبُ أن تتخذَها لِتحميَ بيتك، فإذا عرفت أنَّ هناك بعوضًا قرصاته تسبِّب لك الأمراض، فمن الضروري أن تضعَ على النوافذ شباكًا ذات فتحات دقيقة تحُولُ دُونَ دخول البعوض، وتضع على الأبواب مصائد للحشرات كَيْ تمنعَ دخول البعوض، وإذا عرفت أنَّ في المنطقة حيوانات مفترسة قَدْ تقتحم بيتك، فعَلَيْك وضع قضبان على النوافذ والأبواب، وتوفير أسلحة تستعين بها لحماية نَفْسك عِند المواجهة، وأن تكُونَ الأبواب حديدة. وإذا عرفت بأنَّه كثيرًا ما تتساقط أمطار غزيرة فلا بُدَّ من تغطية المنزل بواقيات من الأمطار. فلا بُدَّ من حصر هذه التهديدات وتحديد الإجراءات الَّتي ستتخذها لحماية هذا البيت وتوفير الموازنات والاستعانة بالخبراء لمساعدتك في تنفيذ إجراءات الحماية من التهديدات. كذلك نفعل في مجال حماية الوقف الخيري، فعَلَيْنا أن نعرفَ كيف نحمي الوقف الخيري من المخاطر، فنعرف ما هي المخاطر الَّتي تحيط بالوقف الخيري، بالتَّالي عَلَيْنا أن نحدِّدَ أساليب حمايتها. والواقع أنَّ المخاطر والتهديدات الَّتي تهدِّد الوقف الخيري كثيرة نذكُر مِنْها: ضياع ملكيَّة الوقف، تعطِّل الاستفادة من الوقف بعدم الاستفادة مِنْها أو عدم استثمارها، تعرُّض الوقف للاستغلال المالي، اندثار الأوقاف، وغيرها من المخاطر. لذا عَلَيْنا وضع منظومة لإدارة المخاطر ولهذه المنظومة أُسُس نذكُر أهمَّها:
• حصر المخاطر الَّتي تحيط بالوقف الخيري، ووضعها في قائمة، مع شرح موجز لكُلِّ خطر أو تهديد ورد في هذه القائمة.
• إقرار آليَّات لرصد المخاطر والتهديدات المحيطة بالوقف الخيري. فيتمُّ تدريب الموظفين المعنيِّين بالإشراف على الوقف الخيري ورعايته، على تقييم الظروف المحيطة بالوقف، ومعرفة كيفيَّة رصد الخطر الَّذي يهدِّد سلامة الوقف الخيري.
• تصنيف المخاطر إلى ثلاثة مستويات وهي: (مخاطر عالية، وتعلَّم باللون الأحمر، مخاطر متوسِّطة، وتعلَّم باللون الأصفر، ومخاطر متدنِّية وتعلَّم باللون الأخضر)، وتعطى الأولويَّة لتنفيذ الإجراءات لحماية الوقف من المخاطر للمخاطر العالية، برصد الموازنات، والاستباق في تنفيذ إجراءات الحماية، وتوفير الموارد البَشَريَّة اللازمة. ثمَّ التركيز على المخاطر المتوسِّطة ثمَّ المتدنِّية.
• تحديد الإجراءات المناسبة لكُلِّ مستوى من مستويات المخاطر، لحماية الوقف الخيري من هذه المخاطر، فمثلًا عِند خطر ضياع ملكيَّة الوقف لا بُدَّ من وضع الإجراءات اللازم لتوثيق الوقف وتثبيت ملكيَّته ورصد الموازنات لتوثيقه، وعِند خطر تعطُّل الاستفادة من الوقف، لا بُدَّ من رصد الموازنات واتِّخاذ التدابير لصيانة الوقف الخيري، ليتسنَّى الاستفادة مِنْه، أو استثماره عن طريق تأجير العقار مثلًا لِيكُونَ هناك ريع للوقف. فالهدف من وضع هذه المنظومة هو عدم تشتيت الجهود والانشغال بأمور تعَد أقلَّ خطرًا على الوقف الخيري، وتوجيه الجهود والموازنات وجميع الإمكانات للمخاطر الحقيقيَّة في سبيل حماية الوقف الخيري وضمان استدامة تلك الأوقاف واستمرار الاستفادة مِنْها، فتلك الأُسس الضروريَّة لمنظومة الوقف الخيري وحمايته من التهديدات، وعلى المشرِفين على الوقف الخيري معرفة متى يعلنون عن وجود المخاطر، فاختيار الوقت المناسبة للإعلان عن التهديدات أمْرٌ ذو أهمِّية كبرى، وطلب اتِّخاذ الإجراءات الفوريَّة لمواجهة هذه الأخطار من الأمور المُهمَّة لحماية الوقف من الأخطار المحيطة به. وأرى أنَّ وضع منظومة إدارة المخاطر بالمؤسَّسات المشرِفة على الأوقاف أمْرٌ واجب، انطلاقًا من وجوب الحفاظ على الوقف الخيري لضمان استدامته، وعملًا بالقاعدة الفقهيَّة القائلة: (ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به، فهو واجب)... ودُمْتُم أبناء قومي سالمين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
@ Najwa.janahi