وفق تقارير ومعطيات ومؤشِّرات «إسرائيليَّة» جرى تسريب فحواها قَبل أيَّام على صفحات عددٍ من المطبوعات، وبعضها المُسرَّب عَبْرَ قناة (كان 22)، فإنَّ (كابينيت حكومة الطوارئ العسكريَّة المُصغَّرة) يسعى لإنهاء ملف الأسرى الموجودين لدى الفصائل الفلسطينيَّة في قِطاع غزَّة، ضِمن صفقة تبادل شاملة عَبْرَ قنوات الاتِّصالات الإقليميَّة. لكنَّ المُعطِّل الرئيس لإتمام الصَّفقة هو بنيامين نتنياهو شخصيًّا، الَّذي يُريد «المطمطة» بالملفِّ في سياق الحرب على قِطاع غزَّة، بالرغم من تعالي الأصوات والمظاهرات في تل أبيب المنادية بإنهاء هذا الملف، حيث يُقتل من حين لآخر عددٌ من العسكريِّين «الإسرائيليِّين» الموجودين في قبضة المقاومة الفلسطينيَّة، وثَبتَ خلال الأيَّام الأولى المتتالية من العام الميلادي الجديد 2024، أنَّ تشديد «الضغط العسكري الإسرائيلي» من خلال العمليَّات العسكريَّة البَرِّيَّة لجيش الاحتلال على قِطاع غزَّة، لَنْ يؤدِّيَ إلى الوصول إلى الأسرى «العسكريِّين الإسرائيليِّين»، بالعكس وإنَّما أدَّى إلى مَقتَل قِسْمٍ مِنْهم.
إنَّ جيش الاحتلال، الَّذي أعلَنَ بداية العام الجديد 2024 عن انتقاله إلى مرحلة ثالثة للحرب، وقَدْ شملت تقليص قوَّاته في القِطاع، قَتَلَ خلال بدايات المرحلة الثالثة حتَّى الآن نَحْوَ عشرين من «أسرى جيش الاحتلال». والعدد الحقيقي قَدْ يكُونُ أعلى. وقَدْ أدَّى مقتل عددٍ من «أسرى جيش الاحتلال» لولادة «إحباط هائل في المستويات الرفيعة في الجيش الإسرائيلي وجهاز الشَّاباك والمخابرات العسكريَّة (أمان)». والتخوُّف هو من أنَّ اعتبارات رئيس الحكومة السِّياسيَّة ستؤدِّي لإحداث المزيد من التآكل بما يُطلَق عَلَيْه «قوَّة الرَّدع».
وفي جوهر الموضوع، إنَّ عين نتنياهو الأولى على الأسرى، وعَيْنه الثانية على الحكومة الائتلافيَّة خشية من تَفكُّكِها وانفراط عِقدها، وبالتَّالي انتهاء حياته السِّياسيَّة وإلى غير رجعة، لذلك زاد في رفع صوته المتطرِّف لـ»دغدغة» مشاعر غلاة المُتطرِّفين البهيميَّة من خلال تكرار رفضه خلال الأيَّام الأخيرة قيام دَولة فلسطينيَّة، ورفض «حلِّ الدولتيْنِ» مع أنَّه حلٌّ توافقي عماده الشرعيَّة الدوليَّة وتنادي به حتَّى الولايات المُتَّحدة.
ومع هذا، يحاول البعض في مجلس (الكابينيت المُصغَّر لحكومة الطوارئ العسكريَّة)، وبعيدًا عن مواقف نتنياهو وأحزاب «الصهيونيَّة الدينيَّة» على التوصل سريعًا إلى التوصُّل لصفقة تبادُل أسرى، وعلى رأسهم الجنرال بيني جانتس، وعضو الكابينيت الجنرال جادي آيزنكوت (الَّذي قُتِلَ ابنه العسكري في قِطاع غزَّة). بَيْنَما يريد نتنياهو الخروج من الحرب ببطء، خطوة وراء خطوة، خشية من انهيار حكومته الائتلافيَّة الأساسيَّة، الَّتي يُهدِّد وقف الأعمال القتاليَّة بقاءها واستمرارها، نتيجة مواقف الوزير إيتمار بن جفير وكتلته (حزب القوَّة اليهوديَّة) في الحكومة، كذلك الوزير بتسلئيل سموتريتش وكتلته.
وحسب نتنياهو، وخلال اجتماعه مع رؤساء سُلطات محلِّيَّة في مُستعمرات ما يُسمَّى «غلاف غزَّة»، يوم الثلاثاء 16 يناير 2024، وحسب التقديرات للوضع الميداني الحالي، فإنَّ الحرب على غزَّة «ستستمر في العام 2025 أيضًا. حيث يعتقد نتنياهو أنَّه بالرغم من التأييد المُتزايد لدى الجمهور اليهودي في «إسرائيل» لصفقة تبادل أسرى، فإنَّ خطوة كهذه ستُفَكِّك حكومته من الداخل؛ لأنَّ شركاءه من اليمين المتطرِّف سينسحبون مِنْها. بل إنَّه يُكرِّر اليوم معزوفة مفادها أنَّه «سيحارب حتَّى الانتصار»، لكن بالنسبة له ينبع الأمْرُ بالأساس من اعتبارات شخصيَّة صِرفة تتمثل في محاولاته المستميتة لضمان بقائه السِّياسي.
إنَّ رئيس الحكومة «الإسرائيليَّة» والمُحيطين أو المسانِدِين له في خطواته اليوميَّة، وكما وسَمَتهم صحيفة (يديعوت أحرونوت) أشْبَه بـ»بروَّاد كازينو» على حدِّ تعبير الصحيفة في عددها الصادر يوم 18 يناير 2024، وبقلم محلِّل الشؤون الاستراتيجيَّة (رونين برجمان). والَّذي أضاف أنَّ نتنياهو: «باتَ كمجرَّد شخص غارق بثقته بنَفْسِه، الَّذي دخل إلى هيكل القمار وراح يضع نقودًا في آلة القمار».
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك