لا أدري إن كان في الصحو أو في المنام، عندما تحدث معي السابع من أكتوبر، أو أنني كنت بينهما، ولكنه تحدث معي وكنت له من السامعين، قال لي إن ذرة ترابٍ واحدة من الوطن هي خيرٌ من الأكوان جميعها، نصحني أن لا أصدق أنها كانت تسمى فلسطين واليوم هي فلسطين وفي الغد هي فلسطين، فحسب، قال لي إنها في كل لحظة هي فلسطين وفي هذه اللحظة هي فلسطين وإلى آخر لحظة ستكون وستبقى فلسطين.
من قال إن قادة إسرائيل يريدون السلام، لو كانت لديهم النية لكان ذلك بعد اتفاقيات أوسلو بسنوات، ولكن تم اغتيال الرئيس الإسرائيلي الذي وقّع هذه الاتفاقيات على يد متطرف إسرائيلي، فإن تم إغتيال الرئيس الذي يريد السلام فماذا سيحل بالفلسطينيين العزّل إلا من رحمة الله، قدمّ الفلسطينيون الكثير من التنازلات ولكن زادت المعاناة والدمار والتشريد، بعد هذه الاتفاقيات أصبح القتل أكثر منهجية، وأصبح الأمل في السلام معدوماً، يريدونه أبناء فلسطين ، ليحق كل مسلم الصلاة في المسجد الأقصى الشريف، وأن يكون ضيفاً على زيتون القدس، من برتقال يافا سيتعافى، وفنجان القهوة سيشربه من تمر نخيل دير البلح وهو يستظل بظلها، لكن كل أملٍ بعثرته إسرائيل وجعلته في أدراج الرياح ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بقوة أكبر منها، فهذا العدو لا يعرف لغةً غير لغة السلاح، لا ينام مرتاح البال إلا بعد سماع صراخ الأطفال والنساء، وقبل أن ينام لا يعد النجوم بل يعد من قتل اليوم ومن سيقتل غداً وبعد غد، قتل العديد من الأنبياء، ويشعر بتأنيب الضمير للأنبياء الذين لم يقتلهم.
يقولون لك إن غزة تُباد، وهذا صحيح، ويقال إن الأساطيل منتشرة حولها والطائرات تحلق لمساعدة بني صهيون في مشروعهم الدموي، ولكن أقولها لك، أمام كل شهيدٍ منا ألف شهيد، وصراخ الأرامل والثكالى هي دعوة للمقاومة والجهاد، دموع الأطفال هي سُقيا خيرٍ لينبت النصر، قيل لك إن الحكومات الغربية وغيرها تساند وتدعم إسرائيل وتقمع أدنى صوتٍ ينتقد بربريتها، وهذا أصح من الصحيح، ولكن تذكر وأحفظ هذه الآية من الذكر الحكيم (وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم).
تكالب علينا الأعداء، وبعض من نحسبهم أشقاء وأصدقاء، بصمتهم عما يحدث من مجازر وقتل، في السابق كنا نسمع جعجعةً ولا نرى الطحين، والآن حتى هذه الجعجعة لا نسمعها ولا هم قادرون عليها، يضحك علينا من يسمى بالمجتمع الدولي ويلوك مضغةً قذرة هي حل الدولتين، دولة إسرائيل بكل ما أوتيت من قوةٍ وغطرسة، ودولة فلسطين مع وقف التنفيذ، دولة لا توجد إلا على الشفاه وشاشات التلفزة، لكننا نقول كلمتنا : نريد دولة فلسطين من النهر إلى البحر حرةً أبية، ودولة إسرائيل من نحرِ الوريد إلى نحر الوريد، فبأي قانون بأي من الشرائع والأديان تأسس هذا الكيان الغاصب، دولة تأسست على عظام وجثث القتلى وسرقة الأراضي، دولة أسسها الاستعمار لاستعمارٍ أشد وأقسى على حساب أبناء فلسطين، دولة أدمنت القتل والدمار، فيما نحن ندمن المقاومة والجهاد، فإما نصرٌ مبين وإما استشهاد هذا ما قاله السابع من أكتوبر .
أصبحت أرض غزة مسرحاً لأحدث أسلحة القتل والدمار، من صناعةٍ إسرائيلية وغيرها، ويتعرض المدنيون العزل للقتل والتهجير، لكنها في الوقت نفسه هي أرض للبطولة والجهاد، والعدو أجبن من أن يقاتل بنفسه رغم النفي والذي ليس إلا كذب وزور.
تحدث معي السابع من أكتوبر كثيراً، ولن يستطيع هذا المقال أن يوجز كل ما قاله، فحديثه يحتاج إلى مجلدات، وذهب ملوحاً بتلويحة الغياب إلى لقاءٍ قريب، ذهب ليخفف ألم أمٍ ثكلى، وليمسح دمعة طفلٍ يتيم، وليشق درب النصر الذي هو آتٍ لا محالة.
ودعته بدمعة في العين وقلبٍ يلهج بالدعاء (اللهم نصرك لفلسطين وأهلها، اللهم أقطع دابر كل معتدٍ أثيم، اللهم أرفع الظلم عن كل مستضعفٍ في الأرض يا رب العالمين).
ناصر المنجي
كاتب عماني