اسمها مشتق من التنمية والعمران لانشغال أهلها بتعميرها
برج الصباح والحارة القديمة والجامع والفلج والسوق تشكل مركز البلدة القديم
بهلاء ـ من مؤمن الهنائي:
تصوير ـ سعيد الشعيلي:
للكلمات مدلولاتها ومعانيها التي تعبر عنها وكما يقال بأن:(لكل امرئ من اسمه نصيب)، كذلك أيضًا فإنّ للمدن والقرى أيضًا من اسمها نصيب وهذا ما نلمسه في قرية المعمور بولاية بهلاء بمحافظة الداخلية المتموضعة في داخلية عمان بين أشجار النخيل الباسقة ومياه الأفلاج العذبة وهواء الصحراء العليل، وربما لم يخطئ الأوائل ممن سكنوا هذه القرية في اختيار اسم (المعمور) ليكون مرادفًا للعمران والتنمية والتطوير وليكون الاسم دلالة على عمارة المكان ولتنسج منذ ذلك الزمان قصة الانسان والمكان والعمران، حيث تكمل المعمور المضلع الثالث لولايات بهلاء ونزوى فلا يفصلها عن مركز ولايتها بهلاء سوى خمسة وأربعين كيلو مترًا، وعن نزوى حاضرة الداخلية سوى ستين كيلو مترًا، وعلى الجانب الآخر لا يبعدها عن ولاية أدم وواحتها الغناء سوى ثلاثين كيلو مترًا، ويمكن بذلك القول بأن هذه القرية تتوسط حواضر المدن وتعتبر ملتقى طرق ومحطة عبور بات يقصدها الجميع للتجارة والزراعة والتسوق والتبضع والاستقرار.
قصة التاريخ والتراث
الموقع الاستراتيجي والمكان المتربع على حافة الصحراء والأفق الممتد على اتساعه عوامل ساهمت في اختيار الأوائل من الأجداد لهذا الموقع، وكما تقول بعض المصادر: إن أول الساكنين لهذه البقعة من الأرض كان في زمن الامام أحمد بن سعيد البوسعيدي (أي في القرن السابع عشر الميلادي)، حين ألقوا رحالهم واطمأنوا لهذا المكان وبدأوا في عمرانه بتشييد بيوتهم في الحارة الطينية القديمة، تلاها بناء برجٍ عالٍ سُمّي ببرج الصباح تيّمنًا ببدايات الصباحات الجديدة، وقد كان هذا البرج ذو الطابقين بمثابة التحصين الدفاعي الأول للقرية يفتح بابه الكبير عند انشقاق خيط الشمس ويغلق عند بيان الخيط الأسود من الليل.
حكاية طويلة وفصول تاريخية
لهذه القرية تاريخ ضارب في القدم ويدل على ذلك حاراتها القديمة التي بنيت في حقب وأزمان مختلفة نذكر منها الحارة الداخلية التي كانت أولى الحارات التي بناها الأجداد والتي يقع بالقرب منها المسجد والمدرسة والسوق والفلج ويطوق هذه الحارة سور دائري يمتد من برج الصباح وينتهي اليه بطول يصل الى أكثر من عشرين كيلو مترًا كان يُعدُّ بمثابة التحصين الدفاعي الأول للقرية، وخُصّص لهذا السور بعض أبواب جانبية كانت أيضًا تفتح صباحًا وتُغلق مساء، ومن الحارات القديمة المنتشرة في المعمور حارة (النزار) وحارة (البحرين) التي لا تزال شاهدة على ما شيّده إنسان هذه القرية من عمارة عمانية تنطق بروعة وجمال هندسة الإنسان العماني، حيث إن الهندسة المعمارية للإنسان الذي قطن هذه القرية كانت تتجلى في بناء المساجد وهذا ما ظل شاهدًا تاريخيًا في المساجد الثلاثة التي كانت قائمة ـ آنذاك ـ في المعمور (المسجد الجامع، مسجد بيت سليم، ومسجد أولاد صالح)، حيث برع المهندسون والمعماريون في بناء الاقواس والعقود وزخرفة المحاريب وتصميم أماكن الوضوء المرفقة بالمساجد، فضلًا عن تخصيص أماكن للصلاة والوضوء للنساء، كما تجلت هذه الهندسة في بيوت الحارات القديمة ذات الطابقين والثلاثة التي كانت تصطف متقابلة يتفرع منها سكك صغيرة تمتد الى بيوتات ومساكن أخرى.
إحياء تراث الأجداد
نبتعد قليلًا عن الحارات القديمة، حيث نأخذ جولة في قريتنا لنبدأ من مدخل القرية، وهناك ينتصب برجان حديثان على جانبي الطريق يحاكيان قصة برج الصباح المندثر.
وقد التقينا مع احد المواطنين القاطنين بالقرية وهو محمد بن هويشل الشعيلي رئيس فريق المعمور التابع لنادي بهلاء الذي حدثنا عن فكرة بناء هذين البرجين فقال: عندما قرر شباب هذه القرية وأخذوا على عاتقهم إحياء تراث أجدادهم بإقامة هذين الصرحين على مدخل القرية لتذكير الأجيال بتاريخ المعمور الضارب في القدم، وكما هي عادة شباب المعمور وأهلها في إحياء تراث الماضي الذي خلفه الآباء والأجداد، فقد قاموا بإحياء السوق القديم الذي يشهد بأهمية المعمور كمركز تجاري واقتصادي مهم للقرى المجاورة لها، حيث كان سوقها القديم قبلة ليس لأهالي القرية فحسب، بل وللقرى المجاورة لها.
ويقول سعود بن علي الشعيلي عضو المجلس البلدي وهو من أبناء هذه القرية: تاريخ السوق القديم، حيث كان يُقام كل يوم عقب صلاة الظهر وحتى صلاة العصر، ويتوافد الناس عليه من كل مكان لشراء الأغنام والاسماك والسمن والتمر والليمون والعسل ومختلف أنواع الخضراوات والفواكه التي كانت تزرع في القرية أو ترد اليها من القرى الأخرى، وكان هذا السوق يضم بين جنباته عددًا من المحلات التجارية تربو على العشرة محلات تبيع مختلف البضائع والسلع، واليوم يشهد السوق الجديد الذي قام الأهالي بإحيائه وتصميمه ليحاكي الاصالة في تراثه والمعاصرة في تصميمه، وكما في السابق لا يزال الأهالي من القرية والقرى المجاورة لها يحرصون على ارتياد هذا السوق كل سبت لتميزه في إقامة (العرصة) أو المناداة على الأغنام والمواشي وهو تقليد عماني أصيل لا تزال الأسواق التقليدية محافظة عليه، وتنشط إقامة العرصة في أيام السابع والعشرين من رمضان والسابع من ذي الحجة أي قبيل عيدي الفطر والأضحى لما بات يعرف قديمًا بـ(سوق سابع).
فلج المعمور نبع الحياة
عند التجوال في قرية المعمور لا بد من الوقوف على قلبها النابض وشريانها المتدفق بالحياة حيث قنوات فلج المعمور تسقى نخيل القرية ومزارعها بالمياه منذ مئات السنين ولا يزال هذا (الفلج الداؤدي) يتدفق بالمياه بفضل العناية به وصيانته من قبل الأهالي، ولا يعرف على وجه الدقة تاريخ شق هذا الفلج، كما يقول كبار السن، غير أنهم يشيرون الى أن عمقه يبلغ ثمانية أمتار وبه ثلاثة سواعد (الشرقي والوسطي والغربي)، وتبلغ المسافة من أم الفلج الى الشريعة حوالي ستة كيلو مترات ويسقي الفلج مساحات شاسعة مزروعة بالنخيل والمحاصيل الأخرى مثل: الشعير والجح والشمام والبرسيم.. وغيرها من المزروعات، وقد ساهم هذا الفلج في جعل المعمور على مدار تاريخها واحة غناء تطوقها أشجار النخيل المنتشرة في كل ارجاءها وتمتاز نخيل المعمور بجودتها العالية ومذاقها الطيب وأصنافها المتميزة عن باقي النخيل في السلطنة ومن أنواع النخيل التي تزرع في المعمور وتمتاز بجودتها الخلاص والفرض والخصاب والخنيزي والزبد وقش قنطرة.. وغيرها من الأنواع الكثيرة المزروعة في مزارع هذه القرية.
المجلس العام أيقونة العمارة الحديثة
لا تكتمل زيارة المعمور دون المرور والوقوف والتجول في مجلسها العام الذي يعتبر أيقونة في البناء الحديث بشكله الدائري الثماني وتصميمه الأنيق الذي يحاكي العمارة القديمة ونقوشه الداخلية وزخارفه البديعة وثرياته الكبيرة وقبته العالية، وقد بُني هذا المجلس على مساحة تزيد على 1500 متر ويتسع لأكثر من 1200 شخص، وألحق به قاعتان خصصت الأولى لتكون مكتبة عامة والثانية لتكون قاعة متعددة الأغراض، وأُنجز بناء هذا المجلس بتكاتف ودعم من أهالي القرية وبعض المتبرعين الاسخياء.
منظر المعمور من الأعلى
من الأعلى تبدو المعمور خضراء يانعة تحفها أشجار النخيل الباسقة، وتكتمل هذه الصورة باكتمال المشهد كاملًا، حيث يتكشف المشهد عن قرية حديثة متطورة شملتها كافة الخدمات الضرورية للحياة من حيث شبكة الطرق التي تغطي كل القرية وأعمدة الانارة الموزعة بطول تلك الطرق والتي تحيل الليل إلى نهار، فضلًا عن توافر الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة حيث توجد بالقرية مدرسة للبنات هي مدرسة المعمور للتعليم الأساسي من الخامس وحتى العاشر كما يوجد بالقرية مركز صحي حديث يقدم كافة الخدمات الصحية الضرورية لأهالي القرية والقرى المحيطة بها.