الجمعة 15 مايو 2026 م - 27 ذو القعدة 1447 هـ

محاربة التعفن من الداخل «الدول من احتكار النخب إلى مثال تنموي»

محاربة التعفن من الداخل «الدول من احتكار النخب إلى مثال تنموي»
الأحد - 15 سبتمبر 2024 03:36 م

محمد بن سعيد الفطيسي

40

لتتمكنَ أيُّ دَولةٍ من عبور نفَقٍ احتكارات النُّخب في أيِّ نظام سياسي والتحوُّل إلى مثال تنموي لا بُدَّ لهَا من تغييرٍ جذري في التَّوَجُّهات والسِّياسات التَّنمويَّة أوَّلًا، فمن المستحيلِ أن يتمَّ ذلك التَّحوُّل حتَّى في ظلِّ الرَّغبة إن لم تعملْ على ذلك إرادة عُليا تحمل على كاهلها إرادة التَّغيير بكُلِّ الوسائل والطُّرق.

أمَّا ثانيًا فإنَّه من الحتميِّ العمل على تعزيز المؤسَّسات الحكوميَّة والسِّياسيَّة والاجتماعيَّة نَحْوَ التَّنافس مستمرِّ الانفتاح. بمعنى آخر، لا يُمكِن بحالٍ من الأحوال العمل على التَّغيير في ظلِّ الاحتكار، ولا أقصد بالاحتكار هُنَا المعنى السَّائد أي الحالة الَّتي «يُسيطر فيها شخص، أو منظَّمة، أو شركة واحدة سيطرةً تامَّةً على بيع أو إنتاج سلعةٍ أو خدمةٍ ما، مع عدم وجود أيِّ منافِس له في هذه الخدمة في السُّوق، بحيث يكُونُ قادرًا على التحكُّم في العَرض والسِّعر.

الاحتكار حالة أشمل من المعنى الاقتصادي: فهناك احتكار النُّخب للمناصب الحكوميَّة (السُّلطة)، واحتكار النُّخب للثَّروة والمال، واحتكار النُّخب للقرارات والتَّشريعات، وهي حالة عامَّة تعيشها مُعْظم الدوَل حَوْلَ العالَم حتَّى تلك الَّتي في قمَّة الديموقراطيَّة للأسف الشَّديد. فعلى ما يبدو أنَّ الاحتكار يُعَدُّ ملازمًا للسُّلطة والثَّروة ولصيقًا بهما.

على ضوء ما سبَق، فإنَّ الحلَّ المبدئي على أقلِّ تقدير هو محاولة الفكاك من احتكار شخوص «السوبر مان» السِّياسي والاقتصادي في أيِّ دَولة، الفكاك من أن يكُونَ الفاعل السِّياسي هو الفاعل الاقتصادي والعكس، حيث «تزداد العلاقة تعقيدًا والتباسًا حينما يكُونُ الفاعل السِّياسي فاعلًا اقتصاديًّا في نَفْس الوقت. ففي مِثل هذه الحالة تتمُّ الإساءة للاقتصاد وللسِّياسة معًا، فلا الاقتصاد يُمكِن أن يتطوَّرَ في بيئة تنعدم فيها شروط المنافسة الاقتصاديَّة، ولا السِّياسة يُمكِن أن تتطوَّرَ بسبب هيمنة المال على الشَّأن السياسي، وقديمًا حذَّر ابن خلدون من الجاه المُفيد للمال، كما أفتى الكثير من الفقهاء القُدامى بعدم جواز الجمع بَيْنَ الإمارة والتِّجارة.

في هذا السِّياق يقول مايكل جونستون في كِتاب «متلازمات الفساد (الثَّروة، السُّلطة، الديموقراطيَّة)» ص 350- 351 إنَّه يُمكِن «لتحويل بُلدان احتكارات النُّخبة إلى المثل التَّنموي لا بُدَّ من المواظبة على تعزيز المؤسَّسات الحكوميَّة والسِّياسيَّة والاجتماعيَّة والتيَّارات الحاليَّة نَحْوَ تنافسٍ مستمرِّ الانفتاح، ويُمكِن جعلُ المنافسة السِّياسيَّة حاسمةً أكثر من خلال تغيير أنظمة الانتخابات، كما يجِبُ أن يتمَّ التَّركيز على الإفصاح المالي الجدِّي والمطبَّق بحذافيره والحدِّ من الإنفاق العامِّ، والتمسُّك بالشَّفافيَّة الحكوميَّة، بالإضافة إلى ضرورة وجود نظام قضائي مستقلٍّ وصحافة حُرَّة يتمُّ تمكينها قانونًا، وجهود طويلة الأمد لدعمِ الاستقلال الإداري والمهني).

إنَّ الأنظمة السِّياسيَّة الَّتي تعمل على تعزيز مكانة الشخوص (السوبرمان)، وتمكين الأشخاص على حساب الأوطان والمصلحة العامَّة، تدفع بِنَفْسِها نَحْوَ التَّشكيك وتراجُع الثِّقة بها، فلا يُمكِن بحالٍ من الأحوال أن نطلبَ من المواطنين التقشُّف وعدم التَّبذير ومشاهد البذخ والإسراف والتَّرف يتمُّ التَّغني بها أو التَّرويج لهَا عَبْرَ تلك النُّخب من خلال سلوكيَّات وتصرُّفات وأفعال لا بُدَّ من تقنينها والحدِّ من انتشارها بطُرقٍ تشعر المُجتمع بالسُّخط والامتعاض.

أخيرًا: أستذكرُ في هذا السِّياق فقرة من كِتاب الفساد واضمحلال روما لرمزي ماكمولين «البرابرة لم يدحروا روما، بل تعفَّنت هي من الدَّاخل. إذ فقَدَ النَّاس الثِّقة بثقافتهم وبمؤسَّساتهم، وراحت فئات النُّخبة تتصارع للسَّيطرة على السُّلطة، وتزايد الفساد، وعجز الاقتصاد عن النُّمو بطريقةٍ كافية».

باختصار: لا يُمكِن النَّجاح في الإصلاحات الهادفة للدَّفع بالتَّنمية والتَطوير المؤسَّسي ما لم تسبقْها إرادة سياسيَّة هادفة للقضاءِ على كُلِّ أشكال الاحتكار (العفَن الدَّاخلي)، وعلى رأس تلك الأشكال، الاحتكار السِّياسي والاحتكار الاقتصادي.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

MSHD999 @