الأحد 19 أبريل 2026 م - 1 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

جماليات المدينة العربية التاريخية

جماليات المدينة العربية التاريخية
الأحد - 15 سبتمبر 2024 02:23 م

أ.د. محمد الدعمي

20

اتسبت جَماليَّات المدينة العربيَّة التَّاريخيَّة عناصرها البديعة الأساس من مُخطَّطات «الأمصار» الأولى (الكوفة، البصرة، الفسطاط) الَّتي أسَّسها المُسلِمون أثناء، أو بعد عصر الفتوحات الإسلاميَّة، إذ كان تخطيطها الأساس هذا يعتمد وجود دار الإمارة (أو الخلافة كما هي الحال في الكوفة وبغداد فيما بعد) في المركز (لاحظ مُخطَّط بغداد المدورة)، ثمَّ يلِيه إلى جانبه نجد المركز الروحي للمدينة وهو «الجامع» الَّذي يلتقي على أرضه جميع مَن كان يسكُن المدينة من المُسلِمين لإقامة الصَّلاة.

وإذا كان هذا هو الأساس، فإنَّ امتداد الأحياء السكنيَّة من المركز نَحْوَ الأطراف لم يكُنْ سوى تجمُّعات سكنيَّة أُقيمت على أساسٍ قبلي: فهُنَا دُور بني أسد، وهُناك دُور بني تميم، إلى آخر قائمة قبائل الجند الَّذين أسهموا في القتال طوال الفتوحات لِيستقرُّوا في الأراضي المفتوحة بعد تحقيق النُّصر المؤزَّر على الفُرس في العراق، وعلى الروم في بلاد الشَّام.

بَيْدَ أنَّ الحياة الاجتماعيَّة والهجرات السكَّانيَّة من الأرياف والبوادي إلى المدينة، ومِنْها أدَّى إلى ازدهار الحياة الاقتصاديَّة والأنشطة التِّجاريَّة، الأمْرُ الَّذي قادَ إلى تبَلْوُر الأسواق وتفرُّعاتها بحسبِ المِهَن والخدمات والسِّلع الَّتي يتمُّ التَّعامل بها، ناهيك عن هجرة أصحاب الحِرف والتجَّار من البضائع من خارج المدينة الأصل إلى دواخلها، الأمْرُ الَّذي أدَّى إلى التَّغيُّرات السكَّانيَّة، إذ لم تَعُدِ المدينة كما كانت أوَّل الأمْرِ، فغادرَها سكَّان الأحياء القبليَّة. الأولى وأخذت هذه الأحياء تنكمش وتقبَل الغرباء من التجَّار وأصحاب المِهَن للسَّكن فيها. ونظرًا لازدياد الحاجة والطَّلب السكَّاني على البضائع والخدمات والسِّلع أخذَ السُّوق الأصل يتفرَّع ويتشعَّب بحسب التَّخصُّصات وتطوُّر الاحتياجات، خصوصًا بعد استيعاب الأمصار للمهاجِرِين الأعاجم وغير الأعاجم الَّذين منَحُوا المدينة ذلك التنوُّع اللَّوني والجَمالي الَّذي لم يزَلْ يهبُ المُدُن العربيَّة التَّاريخيَّة رونقًا خاصًّا من الجَمال الَّذي يُميِّزها عن مُدُن العالَم الأخرى. وهكذا فقدَتِ المدينة العربيَّة الأصل المسحة العسكريَّة (الَّتي كانت أشْبَه بالمعسكر) صفاتها تلك لِتغدوَ أكثرَ حاضرة، حاضنة لأنواعِ وأشكال الحِرف والسكَّان من الفعلة وأصحاب هذه الحِرف، فيما راحتِ الأحياء القبليَّة تذوب في خضمِّ الهجرة السكَّانيَّة من خارج المدينة إلى دواخلها، لتزيدَها جَمالًا وتنوُّعًا، بل وحتَّى لُغات للتَّفاهم وللتَّبادل الاقتصادي!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي