الأربعاء 06 مايو 2026 م - 18 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

فقر الدم الحديدي.. وقلة الاهتمام به!

فقر الدم الحديدي.. وقلة الاهتمام به!
الاثنين - 02 سبتمبر 2024 05:41 م

د. يوسف بن علي الملَّا

20

قَبل سنواتٍ قليلة، كانت هنالك مريضة تُعاني يومًا بعد يوم من الإرهاق والصداع وخفقان القلبِ، وكان يؤوَّل السَّبب آنذاك بأنَّه من ضغوط الحياة ومتطلَّبات الأُسرة وطبيعة العمل. لكنَّ منشورًا على وسائل التَّواصُل الاجتماعي جعلَ تلك المريضة تفكِّر في احتمالِ أنَّها قد تكُونُ في الواقع ضحيَّة لشيء أقلَّ اهتمامًا كنقصِ الحديد. بطبيعة الحال، طلبتْ إجراء فحص دَمٍ من طبيبها، وأظهرتِ النَّتائج أنَّها مُصابة بفقرِ الدَّم، وهي حالةٌ ناجمة عن انخفاضِ مستوياتِ الحديد في الدَّم عن المعدَّل الطبيعي، حيث إضافة تلك المريضة أنَّ الأعراض الَّتي ظهرت عَلَيْها جعلتها تُواجِه صعوبةً في قضاءِ أسبوعٍ كاملٍ في العمل!

طبعًا ـ للأسف هُنَا ـ وعلى الرَّغم من الانتشار الكبير لنقصِ الحديد، إلَّا أنَّه لا يتمُّ فحصُه بشكلٍ روتيني خلال الفحوصات الصحيَّة السَّنويَّة. وبالتَّالي لا يتمُّ اختبار النِّساء إلَّا إذا قدمنَ إلى مقدِّم الرِّعاية الصحيَّة وظهرتْ عَلَيْهنَّ الأعراض. والسُّؤال هُنَا: هل فحصُ نقصِ الحديدِ مع غيابِ الأعراض يُحدِث فرقًا كبيرًا؟!

بلا شكٍّ يُعَدُّ الحديد هو عنصرًا حيويًّا من البروتين الموجود في خلايا الدَّم الحمراء(الهيموجلوبين) والَّذي يُساعد على حمْلِ الأكسجين إلى كُلِّ جزءٍ من الجسم. بل إنَّ الحديد ضروريٌّ أيضًا لعددٍ من الوظائف الخلويَّة الأخرى المختلفة، بما في ذلك إنتاج الطَّاقة والحفاظ على صحَّة الجِلد والشَّعَر والأظافر.

من ناحية أخرى، وإضافةً إلى الأعراض الجسديَّة مِثل الدّوار وضِيق التَّنفُّس، يُمكِن للنِّساء اللاتي يُعانينَ من نقصِ الحديد أن يُعانينَ من القلق والاكتئاب. ويرتبط نقصُ الحديدِ أيضًا بقصور القلب على المدَى البعيد، وفقدان السَّمع. ويُمكِن أن يعانيَ النَّاس من تساقُطِ الشَّعَر وتغييرات في الأظافر، خصوصًا وأنَّ الكثير من النَّاس يفكِّرون في نقصِ الحديد من حيث فقرُ الدَّم، ولكن هذا هو المظهرُ الأخير لنقصِ الحديد، ونَعْلم أنَّ الحديد مُهمٌّ للعديدِ من الأشياء الأخرى! فعلى سبيل المثال، تزداد الحاجة إلى الحديد بشكلٍ خاصٍّ أثناء الحمل، ولكن حتَّى عِندما يتطلب الجنين المُتنامي كميَّة أكبر من الحديد، فقد لا يتمُّ فحصُ المَرضَى الحوامل دائمًا بحثًا عن نقصِ الحديد. وللأسف، يُقال للمرأة إنَّه يتمُّ فحصُ الأشخاص الَّذين لدَيْهم أعراض فقط! علاوةً على ذلك، عِندما تُصاب النِّساء الحوامل بفقرِ الدَّم، فمن المُرجَّح أن يواجهْنَ حالاتِ حملٍ صعبة، قد تنتهي بالولادات المُبكِّرة، والمزيد من الأطفال منخفضي الوزن عِند الولادة.

ولَعلِّي هُنُا، وبالنِّسبة للنِّساء في سنِّ الإنجاب، سواء كُنَّ حوامل أم لا، أجدُ أنَّه من المُهمِّ إجراء اختبار نقصِ الحديد، بل ويجِبُ أن يكُونَ هناك اختبار قياسي لهؤلاء النِّساء. كيف لا؟ ونقصُ الحديدِ هو حالةٌ يُمكِن علاجهُا بسهولةٍ باستخدامِ مكمِّلات الحديد، ولكن من الصَّعب علاجها إذا كنتَ لا تَعْلَم بوجودها؟

من ناحيةٍ أخرى، يُعَدُّ نقصُ الحديدِ نادرًا لدَى الرِّجال، ولكن عِندما يتطوَّر، كما هو الحال عِند النِّساء بعد انقِطاع الطَّمث، فإنَّه يُمكِن أن يُشيرَ إلى حالةٍ كامنة مِثل القُرحة أو السَّرطان ـ على سبيل المثال ـ.

ختامًا، نحن بحاجةٍ إلى دراساتٍ يتمُّ إجراؤها لِتُبَيِّنَ لنَا فائدةَ أو ضررَ الفحصِ المسحي والوقائي ـ إنِ استطعت القول ـ لكُلٍّ من نقصِ الحديدِ وفقرِ الدَّم النَّاجم عن نقصِ الحديد، والدِّراسات الَّتي تُبَيِّنُ لنَا فوائدَ وأضرارَ المكمِّلات الغذائيَّة لهذه المجموعة من المَرضَى. بل والنَّظر بجديَّة للآثار المُنهكة لنقصِ الحديد وفقرِ الدَّم، ومدَى أهميَّة الفحصِ للتَّشخيص والعلاج الفعَّال.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي