• قدم «رولف شتاينجر»، مسحًا شاملًا من ساحات المعارك الَّتي خاضتها القوَّات الألمانيَّة بالتعاون مع العثمانيين ضدَّ البريطانيين، مصحوبا بتحليلات عن الخبرات والمعنويَّات وأدوار الجاسوسيَّة ورجالاتها ونتائج تلك الحروب، الَّتي تسعى في المقام الأول - بالطبع - إلى تحقيق المصالح والطموحات الألمانيَّة، وتكشف عن الوضع البائس الَّذي تعيشه الأمة العربيَّة، الممزقة والمستغلة من قوى مستعمرة تتصارع على النفوذ والهيمنة والتوسع ونهب ثروات وحقوق الشعوب، «أما الاستراتيجيَّة الألمانيَّة تجاه الشرق الأوسط فهي «المحاولة الغادرة لإفناء الإمبراطوريَّة البريطانيَّة، وإقامة مملكة عالميَّة ألمانيَّة مكانها».
• فيما أثبتت المراسلات والوثائق الَّتي استند عَلَيْها «رولف شتاينجر»، وضمن بعضها كتابه، أن ألمانيا في عصر القيصر فيلهلم الثاني، كانت الراعي الحقيقي والمساند القوي في تشجيع وتمويل هجرة اليهود إلى فلسطين، وقامت بدَوْر الحمايَّة عن المستوطنات اليهوديَّة وضمان سلامة اليهود، إذ خلال «زيارته الَّتي قام بها إلى الشرق، استقبل القيصر مؤسس الصهيونيَّة ثلاث مرات». وعندما «منع ما يقرب من مائتي مهاجر يهودي روسي من النزول على شواطئ يافا في أغسطس 1914م، أصدر السفير الألماني في القسطنطينيَّة البارون هانس فون، أمرا إلى القنصل الألماني هناك هاينرش برودي، بإتمام عمليَّة النزول، وهذا ما تحقق» . كما «أسدت الدبلوماسيَّة الألمانيَّة وقتئذ للصهيونيَّة الألمانيَّة خدمة استثنائيَّة؛ إذ سمحت لممثليهم في فلسطين والقسطنطينيَّة باستخدام الشفرة الألمانيَّة الرسميَّة للممثليات الأجنبيَّة، وكذلك استخدام طريق البريد السريع لمراسلاتهم المتبادلة...».
• في العصر الثاني، للتاريخ السياسي الألماني الَّذي خصص له المؤلف الجزء الثالث من الكتاب، بعنوان «جمهوريَّة فايمار والرايخ الثالث (1918 وحتَّى 1939)، خلصت فيه السيادة في الشرق الأوسط للإنجليز، كاشفا «رولف شتاينجر»> عن حقيقة السيطرة البريطانيَّة على «كامل فلسطين»، الَّذي مهد لإطلاق «وعد بلفور»، وبداية «مرحلة جديدة من الصراع بَيْنَ العرب واليهود»، فقد «طالبت الحكومة البريطانيَّة بدعم الصهاينة في تأسيس «وطن قومي للشَّعب اليهودي»، خلال الـ25 سنة المقبلة...».
• في مرحلة ثالثة، انقسم المُجتمع في فلسطين إلى فريقين بشأن نظرتهم ورأيهم تجاه حكم الرايخ الثالث، فيهود فلسطين قابلوه بالعداء وجملة من الإجراءات، تمثلت في مقاطعة المنتجات الألمانيَّة والاحتجاجات ومهاجمة قاعات السينما الَّتي تعرض الأفلام الألمانيَّة، وكتابة ونشر المقالات الهجوميَّة... فيما لاقاه العرب بالتأييد والدعم والاحتفاء والشماتة من اليهود... ففي «31 مارس 1933م، عرض المفتي العام الحسيني خدماته للنضال ضدَّ اليهود. وأبرق فولف في اليوم نفسه إلى برلين قائلا: «قدم لي المفتي اليوم ملاحظات تفصيليَّة، تضمنت ترحيب المسلمين داخل فلسطين وخارجها بنظام الحكم الجديد في ألمانيا وبأمله في انتشار قيم الحكم الفاشيَّة وغير الديمقراطيَّة على البلدان الأخرى...». وهكذا يقع العرب في الغفلة المرة تلو الأخرى، ويتبرعون طواعية لخدمة القوى الغربيَّة ظنا مِنْهم أنها سوف تنصفهم وتحارب نيابة عنهم في استعادة حقوقهم، في تجاهل مكرر لدروس التاريخ واخفاقات الماضي، فإن انتصر الطرف الَّذي وقفوا معه، تجاهلهم وبسط استعماره وهيمنته على أوطانهم، وإن هزم في ساحة المعارك كانت النكبة أنكى وأشد وقعا وخسارة. لقد لعب الحسيني دَوْرا رائدا في الترويج لهتلر ودعم حزبه وزيادة شعبيته وقدم الكثير من الأفكار والمبادرات لتعزيز التعاون العربي الألماني وزار برلين مرات. يحدث ذلك في وقت كانت فيه الحكومة النازيَّة تشجع «وبتناغم مع الصهيونيين، هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين، من خلال اتفاقيَّة «هعفراه» النقل، والَّتي نصت على «السماح لليهود الألمان المهاجرين إلى فلسطين بنقل جزء من رأسمالهم معهم...». هكذا يبدو مشهد السياسة العربيَّة، طوال القرن الماضي، وما قبله، لا سياسة ولا تخطيط ولا رؤيَّة، هي أقرب إلى التخبط، باعتمادهم على القوى الأخرى، اعتقادا وسذاجة بأنها سوف تحررهم وتعتقهم من هيمنتها دون مقابل، وهو ما وضعهم «بَيْنَ المطرقة والسنديان»، وجعلهم ضحيَّة مستعمر يفقد قوته ومكانته، فيسلمهم لآخر يحل محله.
• مرحلة ما بعد الحرب العالميَّة الثانيَّة وتأسيس جمهوريَّة ألمانيا الاتحاديَّة، اصطبغت ملامحها في نمو الشعور بعقدة الذنب، تجاه اليهود، وهو ما استثمرته إسرائيل أفضل استثمار في الحصول على التضامن وتعويضات ضخمة، وفي الوقت ذاته كان الألمان يقدمون للعرب رسائل تطيب الخواطر وتشرح وتبرر أسباب ودوافع هذا الدعم السخي لإسرائيل، «إن الحكومة الألمانيَّة، واثقة بأن العالم العربي سيتفهم هذه الدوافع، وسيدرك أن هذا الاتفاق غير موجه ضدَّ أصدقائنا العرب». وجاء اعتراض الجامعة العربيَّة على هذه التعويضات في الآتي: «لا يُمكِن اعتبار الحكومة الإسرائيليَّة ممثلًا لليهود الأوروبيين المتضررين من الحكم النازي - لم تكن إسرائيل قائمة خلال فترة الحكم النازي - يقدم هذا الدعم لعدو الدول العربيَّة الموجودة في حالة حرب مع إسرائيل...».
• في مرحلة الستينيَّات والسبعينيَّات من القرن المنصرم، وبسبب العداء المستفحل بَيْنَ ألمانيا الغربيَّة من جهة، والاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقيَّة من الجانب الآخر، كانت الدول العربيَّة بؤرة صراع شرس بَيْنَ الطرفين، تقدم الأولى التبريرات والحجج حول دوافع دعمها لإسرائيل، فيما يجتهد الروس والألمان الشرقيون في توريط ألمانيا الغربيَّة، وترسيخ وتعزيز القناعة العربيَّة، بأن دعمها لا محدود لإسرائيل وهو ما نجحا فيه، فقد كانت أجواء الحرب العربيَّة - الإسرائيليَّة المشوبة بالتوتر، وموقف بون وروابطها التعاونيَّة العميقة مع الدولة اليهوديَّة، أسسا لتأزم العلاقة العربيَّة - الألمانيَّة، «إن الهدف السياسي للحكومة الألمانيَّة المتمثل في عزل ألمانيا الشرقيَّة فشل كما هو معروف. وأضحت بون بعد حرب الأيام الستة هي المعزولة في العواصم العربيَّة، بَيْنَما كانت ألمانيا الشرقيَّة تقف في صف العرب، وتمارس هجومًا عنيفًا ضدَّ إسرائيل...».
• بسبب التوترات الَّتي عاشتها منطقة الشرق الأوسط على وقع الصراع العربي مع إسرائيل، وتذبذب علاقات العواصم العربيَّة مع ألمانيا الغربيَّة، الَّتي مر بعضها بحالة من القطيعة، وخوف الأخيرة من توقف تدفقات النفط مع ما سوف يسببه من ضرر بليغ على مصانعها، فقد اضطرت إلى تحديد ثلاثة مبادئ ترسم ملامح سياستها في المنطقة، تعتمد على: «التوازن، وهذا يعني الحفاظ على الخيوط مع الدول العربيَّة أو استعادتها من جديد، تحسبا لأي تطورات مستقبليَّة - تبني سياسة أكثر وضوحا - انتهاج سياسة منفتحة...».
• في الفصل الأخير الَّذي عنونه المؤلف بـ»من إعادة الوحدة حتَّى الوقت الراهن»، بدأت مع أجواء حرب الخليج، الَّتي ساهمت فيها ألمانيا بعتاد حربي سخي ضمن الحشد العسكري الَّذي قادته الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة لتحرير الكويت، وفي الوقت ذاته مولت حكومة «برلين»، في العام 1998م، مشاريع في «مناطق الحكم الذَّاتي الفلسطيني بقيمة 350 مليون دولار»، وذلك ضمن سياستها الجديدة بعد الوحدة المعروفة بـ»دبلوماسيَّة الشيكات».
سعود بن علي الحارثي