الأربعاء 28 فبراير 2024 م - 18 شعبان 1445 هـ
أخبار عاجلة

آية الإسراء.. «قراءة تحليلية بلاغية وتربوية» «2»

الأربعاء - 17 يناير 2024 05:31 م
70

.. فـ(الذي) هو وصفٌ لله ـ جلَّ جلاله ـ حيث يُكْتَفَى بالصفة؛ لكونها تتحمل الموصوف، ومعه ما به وُصِفَ، وجاءت الصلة؛ لتبين الفاعل الحقيقي وراء حدث الأحداث، حدث الإسراء، حيث قَرَّرَتِ الآيةُ أن الله عز وجل في عليائه هو الذي أسرى بعبده، أيْ أقدره على السير ليلا وسط تلك العوالم، والفضاءات، والسموات، وقطع له تلك المسافات في ثوانٍ معدوداتٍ، أيْ: في لا زمن؛ لأنه خالق الزمان والمكان، فلا يجري على الخالق ما خلق من مخلوقاتٍ، فأمره دائمًا بين أسرع حرفين ينطقان، وهما الكاف والنون، كما قال تعالى:(إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون)، فالفعل (أسرى) يدل على أَنَّ مَنْ أسرى هو الله، وأن مَنْ أُسْرِيَ به هو شخصُه الشريفُ (صلى الله عليه وسلم)، والهمزة فيه همزة القدرة، والإقدار؛ حيث أقدره الله على السير، ووضع فيه قدرةً من قدرته، مثل الأفعال:(قرأ وأقرأ، وسمع وأسمع، ونهض وأنهض، وخرج وأخرج، ودخل وأدخل، وفرح وأفرح) فكلها تعدِّي أثر الفعل لمن لا يستطيع حتى يستطيع، ويقدر، وتمكنه من الاقتدار، والفعل.

وهي كذلك كناية عن سعة رحمة الله، واتِّساع عطاءاته؛ حيث أقدر بشرًا على تحمُّل تلك الرحلة التي لا يتحمَّلها مخلوقٌ، ونقلَه نقلةً لا يستوعبها عقلٌ بشريٌّ، ولا تسنح بخيال، ولو كان في الخيال المناميِّ، حدثٌ يجعل العقل حيرانَ متعجبًا؛ إذ كيف لبشرٍ أن يقوم بإسراء، ومعراج في لحظات، ويصف بيت المقدس شبرًا شبرًا، ويُعرَج به، ويرى كل تلك المرائي الكبيرة، وتفسر له الحياةُ كلُّها، وما سيحدث فيها، ويلتقي بثلة الأنبياء من أبيهم آدم، ويصطفُّون خلفه، ويصلي بهم إمامًا، ويُعرَج به إلى السموات العلا، ثم يتقدم هو، ويتأخر جبريلُ (عليه السلام) حتى يكون كما حكى الكتاب العزيز:(فكان قابَ قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى) كناية عن شدة القرب، وكمال المحبة، وجلال الود من الله لنبيه الكريم.

ونحن هنا نتعلم منها أن العبدَ يمكن أن يقترب من ربه إذا حقَّق معنَى العبودية، وأن الله يخصُّه بالمودة إذا كان قلبه مشغولًا بربِّه، ممتلئًا بحب مولاه ـ جلَّ في علاه، وعزَّ في أرضه، وسماه ـ وأنه لا شيء يقف أمام الله، إذا أراد أن يعطيَ عبدًا نِعَمًا فلا مردَّ لها، وأن الله تعالى يمتن على أيِّ عبد من عباده أسلم نفسَه لربه، وخشع ظاهرًا وباطنًا، كُلًّا وجزءًا لعظمة ربه، فيعطيه العطاء الأكبر، كما حدث مع الأنبياء الكرام: سليمان، ويوسف، وموسى وعيسي ومحمد (صلى الله وسلم عليهم) جميعًا، وأن الأمر ماضٍ إلى يوم القيامة، وأن العطاء الإلهي لا يعدله عطاءٌ، وأن المقدرة الربانية لا يتصورها عقلٌ، ولا يتخيلها بشر، ولا يدركها إلا ربها، وصاحبها.

وكلمة:(بعبده) تحمل معنى العزة، والشموخ، وأن العبودية الحقة إنما تكون لله وحده، لا لمخلوق من البشر، فأينما حقَّق مؤمنٌ ما معنى العبودية نال خيرها، وأخذ عطاءَها، ونال مِنَنَهَا، وبرَّها، وعظمتها، هكذا كان نبيُّنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)، والإضافة هنا للتشريف (بعبده)، والباء تحمل معنى المعية، أيْ: أسرى مع عبده، وتحمل معنى المصاحبة، والود، والقرب والرعاية والعناية، والحدب، أيْ: مصاحبًا عبدَه، ونبيَّه، وصفيَّه.

وهي في الوقت نفسه تَرُدُّ على مَنْ زعم أن الإسراء كان بالروح فقط، لا بالجسد، حيث إنَّ مَنْ أنكر ذلك لا يعرف طبيعة القدرة الربانية، كما أن فيه عدمَ فهمٍ لمعنى كلمة:(بعبده) فالعبد روحٌ، وجسدٌ، وقلبٌ، وجسمٌ، فلم يقل الله تعالى:(سبحان الذي أسرى بروح عبده، ولا بقلب عبده)، وإنما قال:(بعبده) أيْ: روحًا وجسدًا معًا، وقلبًا وقالبًا معًا، وهي كناية كذلك عن السير الكامل به، وبعقله، وفكره، وجسده، وكله، وهي في الوقت نفسه كناية عن صفة هي كمال العبادة، ورسوخ الذلة، وتمام الخشوع لله رب العالمين، وكناية أيضًا عن التشريف؛ حيث نسبه لذاته الشريفة أيْ عبد لي، ارتقى بعبوديته حتى صار أحبَّ الخلق إلى خالقه، وسيدَ أنبيائه، وإمامَ المرسلين، ورحمةَ اللهِ للعالمين، فهو الآنَ، وفي تلك الرحلة الربانية في معية ربِّه، وفي عناية مولاه، وفي كنفِ إلهِه الكريمِ الذي أحبه، وقرَّبه، واختاره، وأرسله، وبعثه، وأكرمنا به نبيًا، ورسولًا، وعبدًا تقيًّا، شكورًا.

وجملة:(أسرى بعبده) تشعره بدفءٍ كبيرٍ عندما نتملاها، وهي تقفك ـ أيها القارئ المتأمل ـ على مقامه الشريف، ومنزلته العالية، ومكانه السامي عند ربه، ومحبته الكبيرة لدى مولاه، يكفي أن يُمْتَدَحَ بالعبودية، كما قال تعالى في حقِّ سيدنا نوح (عليه السلام) في مطلع السورة الكريمة نفسها، وبعد آية الإسراء مباشرة، قال:(ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا)، فأجملُ صفةٍ يرتقي بها العبدُ، وينال رضا الرب هي صفة العبودية الحقة التي هي دليل على حسن الصلة، وبرهان على صدق العبد في علاقته، وصلته بربه.

د.جمال عبدالعزيز أحمد

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية