الأحد 17 مايو 2026 م - 29 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

هلاّ شاركتم أولادكم! «2»

الأربعاء - 07 أغسطس 2024 05:35 م

أيها المؤمنون: أسعدكم الله بقرة أعينكم من بنين وبنات، وجعلكم الله وإياهم من السعداء في كل الأوقات، واسمحوا لي أن أواصل مع حضراتكم الحديث حول أهمية مشاركة الأولاد في كل شيء منا نحن الآباء والأمهات، خوفا عليهم من الفرق والشتات، وحرصا عليهم من الأفكار الضَّالة وباطل المعتقدات.

وقد توقف بنا الحديث عند إسلام سيدنا علي بن أبي طالب الذي اتخذ من نفسه قرارًا حاسمًا غيَّر حياته، على الرغم من حداثة سنَه، فقد كان ابن عشر سنين، ولكنه كان يستطيع أن يصنع القرار الصائب والرأي الراجح، فضلًا عن أنه كان على قدر المسئولية من كتم السر وحفظ العهد، ومعرفة أهمية المصلحة العامة التي بها يحفظ رسول الله وزوجته بل والمسلمين معهم من الأذى، فضلًا عن حسن الاختيار ومعرفة أيِّ الأمريّن له صوابًا، وإدراك أبعاد أي الاختيارين، وقد اختار الإسلام وترك الكفر، ولما سمع من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطورة الأمر بأنه يكتمه، علم أن اختياره صعب ولكن استطاع أن يختار الصحيح من القرارين، وما أحوج أبنائنا إلى هذا اليوم، وما يصح وما ينبغي أن نجهلهم كالآلات نحركهم حسب ما نشاء، بل لابد أن نعلمهم ونشاركم ونشركهم، وفي رأيي أنه أخطأ من يحضر لأولاده وجبة طعام دون أن يخيرهم أي طعام وأي نوع يريدون، فضلًا عن عموم الخطأ الذي يقع فيه البعض من انشغالهم بمشاغلهم، وترك أولادهم في غياهب الإنترنت، يتيهون في عباب أمواجه اللامحدودة، وإذا سألته قال: (أنا واثق في أولادي)، وهذا في رأيي أيضًا أنه خطأ، وأقول له: ثق في أولادك كيفما تشاء، وربيهم على الثقة بينكم، ولكن هذا لا يمنع أبدًا أن تعرف ما هم فيه وماهم عليه من تقلبات الصفحات الإلكترونية والأفكار التي يطلعون عليها.

وإليكم ـ إخواني الكرام ـ مثالًا آخر من سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) نأخذ منه أهمية التفكير فيما يصلح أبنائنا وينفع لهم وبهم، ناهيكم عن توجيههم إلى ما فيه الصلاح والإصلاح لهم، ونقلهم مما لا يفيدهم إلى ما هو لهم أفيد، (لما وصل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة كان أهلها يحبونه أكثر من أنفسهم، وكانوا يعبرون له عن سعادتهم بما يستطيعون، ومن صور تعبيرهم لشخصه الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كانوا يهدونه ببعض الهدايا، و”كانت أم سليم لم يكن لها ما تهدي، فأتت بابنها أنس بن مالك إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: يا رسول الله! ابني هذا يخدمك وليس عندي ما أهديه، فادع الله له، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: اللهم أكثر ماله وولده) (السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان 1/‏ 144)، فانتقل أنس إلى بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خدمه عشر سِنِين، (وابتدأ خدمته وَهُوَ ابْن عشر سِنِين ودعا لَهُ بطول الْعُمر وبالزيادة فِي المَال وَالْولد فَكَانَ كَذَلِك وخدمه قيس بن عبَادَة دَفعه لَهُ أَبوهُ غُلَام وَكَانَ بَين يَدَيْهِ كالشرطي بَين يَدي الْأَمِير) (وسيلة الإسلام بالنبي ـ عليه الصلاة والسلام، ص: 70).

وهنا تظهر لما عدة منافع يمكن أن ننتفع بها في تربية أولادنا ومشاركتهم، أولًا: هذه الأم لم تفكر في بعد ابنها عنها أو حرمانها منه بعض الشيء، بل كان دافع قربه من رسول الله وتعلمه منه أقوى من عاطفة الأمومة لديها، فضحت بقرب ابنها منها لتتحمل فراقه، في مقابل أن يكون في بيئة صالحة طيبة وأي بيئة أصلح ولا أطيب من القرب من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وثانيًا: أنها عرفت كيف تختار الطريقة التي ينجح بها ولدها، فلو طلبت من رسول الله مثلًا أن يبقي ابنها عنده ليتعلم، لكان منة الممكن أن يكون في فريق المتعلمين الذين يجلسون مع رسول الله عقب الصلوات، ولكنها اختار أن يكون من خدم رسول الله، وبهذا يكون ملازمًا له في كل أحواله، ومن هنا يتعلم أنس من رسول الله كل شيء في كل شيء، يتعلم منه إذا تكلم وإذا سكت، يتعلم منه إذا هم بالأمر وإذا لهم يفعل، وقد نجحت أم سليم في هذا، والنتيجة أن أنس (رضي الله عنه) لا ينكر فضله أحد في كونه من أعلم الصحابة وأكثرهم فقها ورواية لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وها هو (عبد الله بن عمر ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي، وهاجر وهو ابن عشر سنين، رده النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ في بدر وأحد ثم أجازه بالخندق) (الشفا بتعريف حقوق المصطفى ـ محذوف الأسانيد 1/‏ 182).. فشاركوا أولادكم وأشركوهم يفلحوا وتفلحوا ان شاء الله.

محمود عدلي الشريف

 [email protected]