إن تجاهل وتغييب قيمة وقوة ودور الشباب في النهضة والتقدم والإسهام الحضاري، وإهمالهم والتغافل عن الإمكانات التي يمثلونها، وتقييدهم بسلطات سياسية واجتماعية، وسد الأبواب أمام تحقيق طموحاتهم وتعطيل مسيرتهم... جريمة في حق الأوطان والشعوب..

من المسلمات والمحفوظات التي يعرفها ويعيها ويؤمن بها الجميع، مجتمعات وأفرادا وحكومات؛ كونها ترد وتتكرر وتتضخم، فتحتشد بها البرامج الإعلامية والكتب والدراسات والأبحاث والأطروحات والمقالات والتنظيرات وتصدح بها الألسن في المنابر والقاعات... بأن الشباب طاقة مزلزلة تبنى عليها وتعتمد وتظهر جميع الطاقات الأخرى التي تزخر بها الأوطان فتفيد وتنفع وتضيف وتعلي، وثروة وطنية ثمينة لا يجهل قدرها إلا جاهل متخلف ذو رؤية قاصرة وبصر يعاني الغبش والضعف، ومكسب يحتل الصدارة ويتفوق في إمكاناته على كل ما عداه. هم فقط ينتظرون التهيئة والفرصة والاستثمار السليم، ومن يبث فيهم روح التحفيز والتشجيع والتمكين لينهضوا ويقودوا مجتمعاتهم إلى مستقبل حضاري رائد، وبأنهم ـ أي الشباب ـ هم المستقبل الحقيقي المؤمل فيه النهوض بأي مجتمع وقيادة التقدم والرخاء، وتحقيق التحوُّلات الإيجابية والطموحات والتطلعات، والانتصار على المعيقات وتطويع وتهيئة كل ما نراه اليوم من المستحيلات. هم المحرك الأساسي للنشاط في سعته وفضائه وبعث وتهيئة موجبات وأساسات الإبداع والابتكار والتميز، ففيهم ومنهم المواهب والكفاءات، وبهم وعليهم تحفظ الصنائع والثروات، وتتفجر المخترعات والاكتشافات والمعالجات، وتحدث التغييرات في الأوطان، متى ما غُذي الشباب منذ النشأة الأولى بأساسات وروح المبادئ الحضارية والقِيَم الإنسانية السامية والرفيعة، ليس تلقينا وتنظيرا فقط، بل سلوك وممارسة تضمن إصلاح الداخل، وتعويد وتهذيب النفس الإنسانية عليها، فتعدها وتهيئها لإحداث التغيير إلى الأفضل والأجمل وما فيه خير الناس... وتنمية فكرهم وتقويم اعوجاجهم وتعويدهم على فعل الخير والإيثار وخدمة المجتمع، والعمل الطيب والرقي في المعاملة الذي يرفع من شأن المصلحة العامة ويعلي قيمتها على المنفعة الخاصة، بأن يتم وصل الشباب وتعميق صلاتهم بالمعرفة المحققة لبناء الذات واستظهار مكناتها، واستقبال واستيعاب الثورات العلمية التي يشهدها العالم، المعرفة التي تساعد على التفكر والتأمل واستظهار الحقائق، والمخلصة من الفكر السلبي الضار المضخم للحسد والحقد والتعصب والكراهية والارتياب والإعاقة والانغلاق والترويج للتفاهة والانحطاط والإشاعات... وعندما يحصل الشباب على فرص العلم المتقدِّم والحديث، القادر على إعادة وتجديد صياغة فهمهم وقناعاتهم ورؤيتهم إلى الحياة على ضوء التحوُّلات العلمية التي يشهدها العصر الحديث، والتعرف بشكل أعمق على مشتقات ومنتجات المعرفة والثقافة المحلية والعالمية، والاطلاع على الأدب العالمي وثقافات الشعوب، وعندما تسخر وتقدم للشباب المكنات والدعامات والفرص والانفتاح على الأمم المتقدِّمة واستقدام الخبرات والمهارات وما تتأسس عليه قواعد الرفعة والتحرر من قيود الماضي وتقاليده المقيتة وخطاباته العنصرية والتكفيرية وإرثه البالي ونصوصه الأيديولوجية الموضوعة لخدمة فئة وشريحة وعرق ومذهب ومعتقد وحزب سياسي، ومعيقات الحاضر المتمثلة في النظم السياسية المتسلطة، والصراعات المذهبية، والخطابات الداعية إلى الكراهية والتكفير والتعصب ونبذ الآخر والحرمان من التعليم والمعرفة والظلم والفساد بكل أشكاله وطرقه... ساعتها سيتمكن الشباب من قيادة التقدم وصناعة وابتكار عوامل وعناصر الحداثة والعصرنة... إن تجاهل وتغييب قيمة وقوة ودور الشباب في النهضة والتقدم والإسهام الحضاري، وإهمالهم والتغافل عن الإمكانات التي يمثلونها، وتقييدهم بسلطات سياسية واجتماعية، وسد الأبواب أمام تحقيق طموحاتهم وتعطيل مسيرتهم... جريمة في حق الأوطان والشعوب، سينعكس أثرها في المقابل، تخلفا معرفيا حضاريا، وتقييدا فكريا وثقافيا واقتصاديا، وفقرا مدقعا، وضعفا وارتكاسا، وقلاقل وصراعات واضطرابات سياسية، وعبثا وفوضى وتعطيلا لكل أشكال التنمية والحداثة، وانسدادا وانغلاقا للأفكار الخلاقة والإبداع والابتكار سوف يشمل جميع أوجه ومسارات الحياة الحديثة والحضارة الإنسانية، وتوقفا لكل اجتهاد إنساني يفيد وينفع ويعمق المعرفة ويرفع من شأن الناس، فتتعثر مسيرة المجتمع نحو التقدم والتطور وزيادة وتجويد الإنتاج... لقد رأينا وتابعنا إثر الحالة المناخية “شاهين”، غيرة الشباب في نجدتهم وهبتهم واندفاعهم وحشودهم المتدفقة من شرق عُمان وغربها، شمالها وجنوبها، في مبادرات إنسانية رفيعة القيمة، وأعمال خيرية تسهم في خدمة ومساعدة المتضررين والتخفيف عنهم، وغوث وإنقاذ وتجبير خواطر المكلومين والمفجوعين والمتألمين، والعمل بجد ونشاط وإرادة صلبة، على محاولة إعادة الحياة إلى طبيعتها ما أمكنهم ذلك، ثورة أبهجت المجتمع وأسعدت أفراده، وأشعرتهم بالطمأنينة واليقين بأن عُمان بخير في روح شبابها العظيم الذي تجلى وأضاء في سماء فعلهم الحضاري المهيب. فكيف يمكن استثمار قوة وثروة ودور الشباب في تقدم الوطن ورفعته ونهضته، وخدمة المجتمع وإعلاء مصالحه بما في ذلك تنظيم وتعظيم مسارات وسبل العمل الخيري وصيانة المرافق الأهلية، ورفع مساهماته وتعزيز موارده، وتحقيق التطلعات والطموحات وزيادة مشاركتهم وإسهاماتهم ـ أي الشباب ـ في العمل الوطني وقيادة وإنجاح أهداف ومقاصد وغايات الرؤى والخطط والاستراتيجيات الوطنية، والمشاريع التنموية وإحداث التحوُّلات والتغييرات في مجالها التقدمي التطويري التنويري، وضمان تحولهم من حالة الإحباط والتأزم والسلبية إلى التفاؤل والإقبال على الحياة وتبنِّي أجمل ما فيها واقتباس وبناء واستثمار أفضل وأثرى ما يملكه الإنسان والحياة والعصر بشكل عام والاستفادة من المتوافر، وجعله موردا تجري في سواقيه الخير والفائدة والنفع العام؟ لا شك أن الشباب يمتلكون فرصا عالية التحقق، وبيدهم الكثير من الخيارات والإمكانات والمجالات لإحداث انفراجات في العديد من الملفات، وإجراء إصلاحات وتفعيل أدوارهم وتعزيز مساهماتهم في العمل الوطني بكل تجلياته وأبعاده، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، وإيجاد بيئات عمل وشركات أهلية تستثمر الفرص المتوافرة والإمكانات الموجودة في كل قرية ومدينة وولاية ومحافظة، فعُمان تتميز بالثراء والفرص الذهبية في قطاعات مواهب الشباب وابتكاراتهم والزراعة والأسماك والسياحة والمعادن والمواقع الاستراتيجية وغيرها الكثير، واقناع رجال الأعمال والأثرياء وصناديق الاستثمار والتقاعد والأوقاف العامة والبنوك وشركات التمويل... بإعداد وعرض دراسات الجدوى، وتأسيس ومواصلة الحوار البناء الموضوعي، وإبراز الجوانب الربحية والعوائد المجزية من الاستثمار في الوطن، والعمل الدؤوب للتغلب على كل المعيقات بالإرادة والتصميم ومضاعفة الجهد والتكاتف والتعاون والتنسيق والشراكة... فالشباب في كل ولاية ومدينة وقرية يجب عليهم استثمار إمكاناتهم على ضوء ما أشار له المقال، وتوظيف المجالس العامة والأندية وجمعيات المرأة ووسائل التواصل وغيرها في تفعيل وإقامة وتنظيم وتطوير الأنشطة الثقافية بمختلف أشكالها وأنواعها وتأسيس المكتبات العامة للتحفيز على القراءة والمطالعة والبحث، واكتشاف المواهب وإبرازها وتشجيعها على المشاركة، ليكون لهم الدور الأسمى في التوعية والتثقيف والتنوير والتحديث، وتوسيع النشاطات المختلفة، وتطوير العمل الخيري والمساهمة في صيانة وإحياء المرافق القديمة مثل الأفلاج والأسواق والقلاع والحارات القديمة وتأسيس شركات أهلية لاستثمارها في مجال السياحة، وكذلك في القطاعات الأخرى المتاحة على غرار ما حدث في نزوى وبعض مناطق محافظة الداخلية، وتوفير فرص عمل للشباب، وتسمية شخصية من بَيْنهم تتميز بالنشاط والكفاءة والجرأة ودعمه وقيادته لكي يمثلهم في مجلس الشورى، ويكون له الدور الأساسي في تطوير وتفعيل العمل البرلماني، فـ”نشر ثقافة المعرفة” والعمل الخيري لصالح المجتمع وتشكيل وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني “لا يعول فيها على الجهد الحكومي بقدر ما يعول على مبادرات فردية وجماعية على الصعيد المدني”. مجالات وفرص وأعمال وإمكانات ومقدرات نتمنى أن يستثمرها الشباب لتكون لهم الريادة والفاعلية والقيادة والإسهام الحقيقي في تنمية وتطوير ونهضة الوطن.


سعود بن علي الحارثي
[email protected]