د. رجب بن علي العويسي:
يفترض طرحنا لهذا الموضوع، أن بُعد الذائقة الجمالية للأحياء السكنية باتت مغيبة إلى حد كبير، ولم تعد تبرز إلا في وسط المدن وعلى جانبي الشوارع الرئيسية فيها، في حين تفتقر الأحياء السكنية لأبسط مقومات الحياة الآمنة، وجماليات الذوق الراقي في عمليات التخطيط العمراني لها، فإن إغفال البُعد الجمالي والذوق العام والحس الإنساني في الأحياء السكنية التي يسكنها الإنسان، يقلل من فرص الاستفادة من التوجُّهات العالمية، كما قد يكون سببا في تراجع التقييمات العالمية لجودة الحياة في مدينة مسقط أو غيرها من المدن الأخرى في السلطنة.
وإذا كان العالم اليوم يتجه إلى المدن الذكية ويقرأ فيها مساحات أمان متجددة تحفظ مساحات الاحترام والتقدير لإنسانية الإنسان وتحافظ على فرص العيش الآمن له في بيئة صحية نظيفة تمتلك مقوِّمات السعادة والاحتواء، وتبرز في تفاصيلها جوانب الذوق والرقي والحس الجمالي، في طريقة تنفيذ البنى الأساسية فيها من شبكات الطرق والاتصالات والمياه والكهرباء أو في جوانب التجديد التي تضيف إلى الأحياء السكنية مساحات أمان أفضل في ظل توفير البيئات الترويحية وعمليات التشجير وغيرها من الأبعاد التي بات لها حضورها الإيجابي في نفوس القاطنين فيها، أو بما يتاح فيها من خلال عمليات التخطيط العمراني المنظم والمؤسس على قراءة تستشرف مستقبل هذه الأحياء والنمو السكاني فيها والفئات القاطنة فيها ومستوى توافر الأراضي الفضاء التي ستعيد تشكيل وجه الحي بطريقة أخرى أكثر جمالا وإشراقا لتنفيذ بيئات ترويحية وجمالية يعبِّر فيها أهل الحي عن مواهبهم وممارسة هواياتهم البدنية، ويتعايش فيها الجميع في فضاءات عملية واسعة المكان، بهية المنظر في نظافتها واتساعها وأريحيتها وجمالها ورقيها.
وإن كنا قد نجحنا في مسألة إقناع المجتمع بشأن الألوان المختارة في الواجهات الأمامية للمنازل السكنية والبنايات التجارية والمجتمعات السكنية في المحافظة على النسق المعماري والطابع الجمالي لها، إلا أننا قد لا نكون حققنا المستوى نفسه من النجاح في إيجاد مدن المستقبل، أو بناء أحياء سكنية للمستقبل يتكيف معها الناس وتتعايش مع سكانها، وتقترب من ترقية الأبعاد النفسية والجمالية والذوقية للسكان، كما تتمتع بمعايير جودة الحياه، ولم يستطع نظام التخطيط العمراني في مدينة مسقط وغيرها أن يقرأ هذه الأبعاد في تخطيط الأحياء السكنة، لذلك ظلت الممارسة العشوائية أقرب وصف إلى نموذج التخطيط الحاصل فيها، فهي تفتقر اليوم لمفهوم الاتصال المكاني والتكامل في الحي السكني الواحد، وباتت تواجه مشكلة الازدحام المروري والتشتت السكاني أو التبعثر العمراني وسوء التنظيم في طريقة توزيع الأراضي وتقسيماتها الخرائطية، ورغم ما تعانيه الأحياء السكنية في مسقط وغيرها من إشكاليات تخطيطية في توزيع الأراضي واستخداماتها والطرق الداخلية، فإنها أيضا تعاني من سوء توفير الخدمات الأساسية لها، مثل: رصف الشوارع الداخلية بين المنازل السكنية الجديدة، وردم الحفر الخطرة في الشوارع القائمة أو إعادة تأهيلها، ووجود بعض المنحنيات الخطرة التي ترتب على وجودها الكثير من الحوادث في داخل الحي السكني وأمام ناظر الأطفال، كما لا توجد أماكن آمنة مخصصة لأطفال الحي، ناهيك عن إنارة الشوارع الداخلية، أو تنفيذ كاسرات السرعة في المناطق المحتاجة لذلك حماية للسكان والأطفال من الحوادث، أو توفير المتنزهات والأماكن الترفيهية البسيطة وإيجاد مساحات مخصصة لذلك في تخطيط الحي السكني، أو توفير أماكن محددة لتفريغ القمامة بدلا من الوضع غير الحضاري الحالي، حتى أصبح صندوق القمل ينقل كل يوم من مكان لآخر بحسب استخدام تلك الأرض الفضاء التي يوجد بها هذا الصندوق وما يتركه من آثار على الطرقات الداخلية، أو حل مشكلة الزيادة المستمرة في أعداد الكلاب في بعض الأحياء السكنية ـ في المعبيلة تحديدا ـ أو التعامل مع المخاطر الناتجة عن ترك السيارات المعطلة والمهملة أمام البيوت لفترات طويلة، أو نظافة الشوارع الداخلية من الرمال والحصى المتواجد بها، أو إيجاد اختصارات أخرى تربط الأحياء السكنية بشوارع الخدمات بما يضمن انسياب الحركة المرورية والتعدد في المداخل والمخارج من الأحياء السكنية وإليها، أو تهيئة مساحات متكاملة مخصصة لرياضة المشي، ورياضة الدراجات الهوائية أو دراجات الأطفال، أو توفير المساحات الخضراء في الحي السكني، أو وضع الإشارات واللافتات على الشوارع الداخلية، وإزالة كومة الأشجار اليابسة وغيرها من مسارب الأودية داخل هذه الأحياء (الشرجة)، وإصلاح الشوارع المتضررة بفعل الأنواء المناخية والأمطار في فترات متعاقبة، وعمليات التشجير المنظم والتنظيم الجمالي لمداخل ومخارج هذه الأحياء لتشكل بدورها بيئة نموذجية تضيف لمسات الجمال والحس المرهف لقاطنيها وتنعكس عليهم بمزيد من الإيجابية، أو غيرها من المتطلبات التي سيكون لحضورها أثره في الذائقة الجمالية والشعور بمزيد من الأريحية والاهتمام.
وبالتالي يثير هذا البطء في التعاطي مع أولويات وجماليات الأحياء السكنية الكثير من التكهنات حول جدية التعامل مع هذه التفاصيل، رغم قيمتها المضافة في حياة الإنسان والمكان على حد سواء، ومدى استيعاب وحضور مفهوم وأبجديات الذائقة الجمالية في عمل هذه القطاعات، لتتعدى المسألة جانب اختيار الألوان الأمامية والخارجية للمنزل السكاني، إلى تأصيل استدامة المفهوم وتوفير البيئة الذوقية القادرة على خلق صورة نموذجية تعكس مستويات عالية من المهنية والاحترافية في أداء القطاعات البلدية والإسكانية وغيرها، بما يضعها أمام مراقبة دائمة لأنشطتها، ومراجعة دورية لاحتياجات الأحياء السكنية من الخدمات الإسكانية والبلدية والتخطيطية، تفاصيل دقيقة تلقي بظلالها على كفاءة الجهود البلدية والإسكانية خصوصا في ظل عدم وضوح مسار العمل في شأن الاستجابة الفورية لهذه المتطلبات، ليظل مصير هذه الأبعاد محلك سر، تحكمها المزاجيات، وتديرها الأنانيات، في ظل وعود خيالية بوضع هذه المطالب موضع الاهتمام والمتابعة، دون وعد بمدى زمني واضح ينقلها إلى واقع الفعل ويثبتها في عتبات التنفيذ.
من هنا فإن تحقيق الطموح نحو إبراز الذائقة الجمالية العُمانية في الأحياء السكنية وفق منظور إسكاني عصري متجدد، يأخذ بأساليب العصر في التخطيط العمراني الذكي ويعبِّر عن القِيَم الحضارية للحارات العُمانية القديمة وفلسفة البناء في جوانبها النفسية والتواصلية والاجتماعية والثقافية، قادر على أن يوظف قِيَم المكان والزمان والإنسان لصالح إيجاد روح الحياة والتجديد في الأحياء السكنية الحديثة في حس الإنسان وقناعاته، يستدعي إعادة هيكلة العمل البلدي، ممثلا في الشؤون البلدية بالمحافظات وبلدية مسقط وظفار، في التعاطي مع ملف التخطيط العمراني للأحياء السكنية مستفيدة من الاستراتيجية العمرانية مدخلا لها، وفق إدارة نموذجية كفؤة لهذا الملف تأخذ في الحسبان هذه المعطيات، وتبرز في آليات عملها الداخلية وخططها العادية والاستثنائية وتقديرها للأولويات التي تحتاجها الأحياء السكنية، استخدام أدوات تنفيذية ومسارات عمل أكثر واقعية ونضجا، وتقييم التأثير الناتج عن تأخر هذه الخدمات على مسار الاستقرار الإسكاني والتطور العمراني والأبعاد المرتبطة بمعايير الذوق التخطيط البلدي، ومساحات التنسيق المستمر بين المؤسسات في زيادة حجم التناغم بينها في تقديم الخدمات الإسكانية والبلدية المختلفة بجودة عالية آخذة في الاعتبار المدخل الجمالي والذائقة الحضارية والأبعاد والقِيَم الثقافية والنماذج التعبيرية الإسكانية كأهم المعايير التي يستند إليها العمل في تخطيط الأحياء السكنية.
ويبقى توفير نظم الاستشعار عن بُعد، وربط جميع الأحياء السكنية بمنظومة رقمية تعطي صورة واضحة حول المواقع التي تحتاج إلى الالتفات إليها وتوجيه الخدمة نحوها، لتظل حاضرة في ملف الإنجاز اليومي، بحيث تأخذ في الحسبان توظيف البيانات والإحصائيات والخرائط الطوبوغرافية وغيرها لتقدم صورة مكبرة فعلية لهذه الاحتياجات وإعادة ترتيبها وفق مسارات أكثر تفاعلا مع أولويات الإنسان، وبالتالي المزيد من الجهد والمسوحات والرصد المستمر من واقع النمو السكاني في الأحياء السكنية وعدد الأراضي السكنية والتجارية بها، فإن الاستمرار على التخطيط العشوائي والممارسات غير المنظمة وغياب البُعد الجمالي من الأحياء السكنية سوف يؤدي إلى نتائج كارثية في السنوات القادمة في ظل التوقعات بنمو عدد السكان في مسقط من (مليون و300 ألف) في 2020، ليصل إلى 2.5 مليون نسمة بحلول عام 2040، وما نتج عن تداخل المباني التجارية والصناعية ومواقف مركبات القاطنين في المجمعات السكنية والتجارية في منازل المواطنين والاعتداء على جانب الخصوصية داخل المنازل الشخصية.
أخيرا، فإن إعادة هيكلة وتصميم الأحياء السكنية بمحافظة مسقط والمحافظات الأخرى، في ظل مفهوم المُدن الذكية بات اليوم يطرح على الجهات المعنية تحوُّلات كبرى في التفكير والتخطيط ورسم السيناريوهات والخروج من الرتابة والتكرارية، وتتطلب المزيد من العمق والفهم في قراءة معطيات المستقبل والمؤشرات المرتبطة بجودة الحياة في المدن، مع القناعة بأن الكثير من التحوُّلات التي شهدتها المنظومة العمرانية بالسلطنة وبشكل خاص على مستوى المنازل والمجتمعات السكنية غيرت وجه الخريطة العمرانية، إلا أنها لم تكن كافية في إعادة إنتاج بيئة سكنية صحية وآمنة وجاذبة للعيش فيها ويشعر سكانها بالمزيد من الأريحية والاستقرار النفسي، إن إهمال البُعد النفسي والترويحي والذائقة الجمالية أحد أسباب هذا التراجع في كفاءة الخريطة العمرانية، لذلك كانت الحاجة إلى إعادة قراءة البُعد الجمالي في الأحياء السكنية، لتخرج من المفهوم الضيق كونها مجموعة من المنازل أو الفلل السكنية أو المجمعات التجارية داخل محيط إسكاني واحد ومنطقة محددة الامتدادات، إلى منظور عمراني وبيئي وإسكاني أوسع، تعبِّر عن الذائقة الجمالية التي يحملها كل فرد في الحي السكني نحو الآخر، فمساحة التكامل والتناغم والبُعد الثقافي والاجتماعي والاتصالي بينهم، إنما يتم تشكيله في ظل استشعار هذه السمة لهذه الأحياء، وإضفاء روح التغير فيها وهي أمور لا يتقنها إلا العارفون، ولا يفهمها إلا من كانت لهم خلفيات ثقافية وفكرية وذوقية من مخططين ومنفذين ومسؤولين ـ وهي سمات نؤكد على أهميتها لكل ما يتعاملون مع التخطيط الإسكاني والعمراني ـ. من هنا تأتي أهمية استشعار هذه الأبعاد في تخطيط الأحياء السكنية وإبراز المعالم الجمالية فيها، بحيث تصبح كل إضافة فيها قيمة مضافة، لها أثر في حياة الناس وطريقة تنقلهم وصحتهم وأمانهم ومستوى الهدوء الذي تضيفه على واقعهم، والمساحة التواصلية التي باتت تعبِّر عن هُويتهم الخاصة في المحيط الذي يسكنون فيه، وكلما أعطت عمليات التطوير هذا البُعد أهميته وحضوره كلما عزز من فرص التعبير عن قِيَم الناس، وغرس الذائقة الجمالية في ممارساتهم وخطابهم وتواصلهم وعلاقات الجوار بينهم، ومحافظتهم على سقف تميز حيّهم عن غيره من الأحياء، حيّ يتميز بسمت البساطة والأناقة والفخامة شكلا ومضمونا، في بيئات جمالية جاذبة وملهمة وأسرة للحياة.