شكَّلت الفَجْوة بَيْنَ مُخرجات التعليم وسُوق العمل معضلةً في الأوان الأخير، حالت بالتَّأكيد بَيْنَ العديد من الأيدي العاملة الوطنيَّة والحصول على فُرصة تُناسب تخصُّصهم في سُوق العمل، وأضحى أكبر تحدٍّ يُواجِه الشَّباب والقوى العاملة الوطنيَّة، هو الحصول على فُرصة عمل تتواءم مع قُدراتهم وإمكاناتهم. فَسُوق العمل لدَيْها متطلَّباتها وتخصُّصاتها التي تتلاءم مع الأوضاع الاقتصاديَّة، ومن هنا أضحت المُواءمة بَيْنَ مُخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سُوق العمل ضرورةً مُلحَّة تفرضها التحوُّلات والتطوُّرات التي يمرُّ بها المُجتمع في السَّلطنة وغيرها من الدوَل، كما أنَّها من أهمِّ الغايات لتحقيق التَّنمية الشَّاملة التي تنعكس بشكْلٍ أو بآخر في تحسين حياة المواطن في مناحي الحياة كافَّة، لا سِيَّما أنَّ عمليَّة التَّنمية باتت تعتمد على مدى الخِبرة المُكتسبة وصناعة المعرفة والمهارات التقنيَّة التي يمتلكها رأس المال البَشَري من جهة، وعلى مدى الحِكمة والعقلانيَّة في توظيف الموارد الماليَّة والبَشَريَّة من جهة أخرى. وبالتَّالي أصبحت مُشْكلة الباحثين عن عمل وتوظيف القوى العاملة المُؤهَّلة واحدة من أهمِّ القضايا التي تشغل اهتمام القائمين على عمليَّة التوظيف.
ومن هذا المنطلق، ومع تنامي الفَجْوة بَيْنَ مُخرجات التعليم وسُوق العمل، أصبح التدريب على رأس العمل من الحلول النَّاجعة في مواجهة هذه الفَجْوة، حيث يُوازن التدريب على رأس العمل بَيْنَ مُخرجات التعليم، وبَيْنَ متطلَّبات سُوق العمل من خلال رفْع كفاءة العاملين بالمُمارسة الفعليَّة، وتحويل المفاهيم النظريَّة إلى مُمارسة تطبيقيَّة، وإكساب العاملين المهارات المطلوبة التي تحتاجها هذه الوظيفة في هذا القطاع أو ذاك. فالتدريب على رأس العمل يؤكِّد يومًا بعد يوم أنَّه أكثر الوسائل فعاليةً في إعداد القوى البَشَريَّة المُؤهَّلة للقيام بجميع الأعمال والمهام المُوكلة إليها، ما سينعكس إيجابًا على إنتاجيَّة المؤسَّسات، ويفتح الآفاق نَحْوَ المزيد من فُرص العمل، فالتدريب على رأس العمل يُحوِّل المفاهيم النظريَّة إلى مُمارسة تطبيقيَّة، بحيث يُصبح المتدرب مع مرور الزَّمن مُلِمًّا بالجوانب التقنيَّة كافَّة، والمِهنيَّة ذات العلاقة بعمله، مما يحدث مجموعة من الوظائف التي تتناسب مع متطلَّبات سُوق العمل، ويصنع جيلًا جديدًا من القوى العاملة الوطنيَّة، يمتلك القدرة والكفاءة التي تُؤهِّله على المُنافسة في سُوق العمل محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، فتحقيق الأرباح سيظلُّ الغاية الأكبر التي يسعى إليها أصحاب المؤسَّسات.
وفي سبيل تحقيق تلك المُعادلة، وتوفير فُرص تدريب على رأس العمل للكوادر والكفاءات الوطنيَّة، وقَّعت وزارة العمل برنامج تعاون مع هيئة تنمية المؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة لتمويل التدريب على رأس العمل لإعداد وتأهيل الكوادر الوطنيَّة لشغل الوظائف المُتاحة في سُوق العمل في مختلف القطاعات بالمؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة، حيث اتَّفق الطرفان على تعزيز سُبل التعاون فيما يخصُّ التأهيل والتدريب لتمكين بيئة العمل المستدامة التي ترتكز على تمويل التدريب لضمان الاستمراريَّة في العمل بما يحقِّق الغاية والهدف، وتوفير حزمة مزايا وحوافز للمؤسَّسات الشريكة للمبادرة التي تعمل على استقطاب الباحثين عن العمل وتأهيلها وتدريبها وتمكينها.
ومن جهتهم يَجِبُ على القوى العاملة الوطنيَّة الاستفادة من تلك الفُرص وما يُماثلها، والعمل بجدٍّ واجتهاد لتحقيق الغايات المنشودة، فكُلُّ فُرصة تدريب على رأس العمل تُعدُّ وظيفة مستقبليَّة ونشاطًا جديدًا يُرسِّخ فيه شباب الوطن إمكاناتهم. والاتفاقيَّة الأخيرة تمنح الفُرصة لـ3000 باحث عن عمل من مختلف التخصُّصات والمُؤهِّلات الدراسيَّة في القطاعات المختلفة بالمؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة، وتدريب وتأهيل الباحثين عن عمل بما يتناسب مع متطلَّبات سُوق العمل وضمان توظيف الكوادر الوطنيَّة من الباحثين عن عمل بعد انتهاء برنامج التدريب على رأس العمل، والإسهام في تنمية المؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة من خلال رفدها بكوادر وطنيَّة مُؤهَّلة بمختلف المهارات والخبرات، وهو ما سيُحقِّق الأهداف الكبرى لاقتصادنا الوطني، سواء من حيث التنويع أو الاستدامة.