محمد عبد الحليم القاضي:
حينما نسمع مصطلح (النعم) ينصرف ذهن كثير منا إلى المال، معتقدًا في خلده أن النعم مرادفة للمال، وأن المرء لا يمكن أن يحيا حياة طيبة إلا بالمال، ويحصر رزق الله كله في المال.
لكن إذا حررنا تفكيرنا من ماديات الحياة، سيجد كل إنسان نفسه سابحة في بحر من النعم ـ ربما تكون كلها أعظم من المال ـ وإذا عقدنا مقارنة في مخيلاتنا بين المال وغيره من النعم فلن نجد مقارنة بينه وبينها.

فالمال قد يشتري لك القصر، لكنه أبداً لا يشتري لك السعادة، فكم من سكان القصور لا يعرفون عن السعادة إلا اسمها.

والمال قد يشتري لك السرير، لكنه لا يشتري لك النوم، فكم ممن يفترش ريش النعام... لكنه لا يذوق طعم النوم.. والمال قد يسخر لك الطبيب ويشتري لك العلاج، لكن لا يشتري لك الصحة، ولا يُديمُ عليك العافية.. والمال قد يجلب لك الحظ، لكنه أبدًا لا يجلب لك التوفيق.. والمال قد يجلب لك زوجة جميلة، لكنه أبداً لا يشتري لك زوجة صالحة.. والمال قد يصنع لك ابنا غنياً لكنه لا يستطيع أن يصنع لك ابنا صالحًا.. وبالمال تستطيع أن أن تصنع لنفسك حاضراً، لكنك أبداً لا تستطيع أن تصنع به تاريخًا.. وبالمال قد تستطيع أن تشتري ألسنة بعض الناس، لكن لا يمكنك أن تشتري به قلوبهم.

وبدون مال قد تُسمى فقيرًا لكنك لا تسمى جاهلًا، ولا مريضًا، ولا مجنونًا.. فأنت إن فقدت نعمة المال فغيرك فقد نعمة العقل فأنت أفضل، وغيرك فقد نعمة الصحة.. فأنت أفضل، وغيرك فقد نعمة العلم والفهم فأنت أفضل.

ألا فاعلم أن رزق الله ليس مالًا فقط، فقد يكون رزقك في أخلاقك.. وقد يكون رزقك في حب الناس لك، وقد يكون في عافيتك، وقد يكون في أولادك، وقد يكون في رضا الله عنك.. وكفى بها نعمة.

وفي الحديث عَنْ سَهْلٍ قَالَ:(مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا) (رواه البخاري).

فأبدا لم تكن قيمة الإنسان بما يملكه، وإنما قيمة الإنسان دائماً فيما يتقنه، فلأن يحتاج الناس إلى علمك وأخلاقك، خير من أن يحتاجوا إلى عطائك وأموالك.

وقد دَخَلَ ابْنُ السِّمَاكِ يَوْمًا عَلَى هَارُون الرَّشِيدِ، فَاسْتَسْقَى الرَّشِيدُ فَأُتِيَ بِقُلَّةٍ فِيهَا مَاءٌ مُبَرَّدٌ، فَقَالَ لِابْنِ السِّمَاكِ: عِظْنِي. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِكُمْ كُنْتَ مُشْتَرِيًا هَذِهِ الشَّرْبَةَ لَوْ مُنِعْتَهَا؟ فَقَالَ: بِنِصْفِ مُلْكِي. فَقَالَ: اشْرَبْ هَنِيئًا. فَلَمَّا شَرِبَ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ مُنِعْتَ خُرُوجَهَا مِنْ بَدَنِكَ، بِكَمْ كُنْتَ تَشْتَرِي ذَلِكَ؟ قَالَ: بِمُلْكِي كُلِّهِ. فَقَالَ: إِنَّ مُلْكًا قِيمَتُهُ شَرْبَةُ مَاءٍ لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يُتَنَافَسَ فِيهِ. فَبَكَى هَارُونُ ((ابن كثير، البداية والنهاية ط هجر، ٣٣/١٤(.

* إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف المصرية