[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2017/03/rajb.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]د. رجب بن علي العويسي[/author]
تطرح معطيات الحالة الاقتصادية بالسلطنة وجملة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في سبيل تعزيز الاستقرار المالي والاستدامة الاقتصادية أو الحدِّ من تأثير جائحة "كوفيد 19" على المنظومة الوطنية، مسارات عمل جديدة تتسم بالابتكارية والواقعية والاقتراب من المواطن، وبناء منصة اتصال سيكولوجية نفسية حوارية قادرة على تعميق روح التناغم والتكامل والانسجام، بما يحفظ مساحة الود مع المواطن، ويضمن امتلاكه للممكنات النفسية والفكرية والقناعات الإيجابية التي يستطيع من خلالها الوقوف على التوجهات الحكومية والأخذ بها والتكيف معها ومساعدة الحكومة في تخطي هذه العقبات وتفهمه بما تحمله هذه الإجراءات من قيمه مضافة لحياته المهنية، وتوفير فرص أكبر لبني وطنه وأهله ومجتمعه من الباحثين عن عمل والمسرحين، بما من شأنه أن يُبقى حبل التواصل ممدودا، للقناعة بأنه لا شيء يعدل الكلمة الطيبة، وحسن تقدير الظروف، وفقه التعامل مع المعطيات، واستشعار المواطن في كل تجليات العمل الوطني، فهو سر الوطن، وأمنه وأمانه، وحفظه وصونه، ومبادئه وأخلاقه، وعندما ترفع المؤسسات من سقف تعاملها مع القضايا التي تهم الموطن، بالشكل الذي يضمن إحداث تحول في السلوك، ونهضة في الأداء، عندها نستطيع القول بأننا حققنا جزءا من معادلة التغيير، التي تبدأ من المواطن وتتعايش معه وتتفاعل مع أخلاقه وأطره، وتبرز في سلوكه، وهو الأمر الذي تعول عليه الحكومات في استنهاض القيمة الأخلاقية والحضارية والحافز الوطني في شعوبها، وتؤسس فيهم قيمة المواطنة والولاء والانتماء، التي تتماهي فيها مصالح المواطن وشخصيته مع أولويات الوطن والمصلحة العليا فيكون المواطن طوع وطنه ورهن واشارته في النوازل والمحن وتعقد الظروف وتغير الأحوال، وفي السراء والضراء.
غير أن تحقيق ذلك مرهون بما تحمله أجندة المؤسسات من أجل المواطن، وما تفصح عنه من مفاجآت إيجابية تحفظ حقه، وتأخذ بيده، فتدفع عنه الضرر الناتج عن تضارب المصالح، وتسهّل له طريق بناء مشروعه الاقتصادي الذي يكسب منه على نفسه وأسرته، وتراعي ظروفه، وتقدّر ما يمر به من ضائقة ماليه، ويصبح منهج العفو والتسهيل والتيسير والتخفيف محطات تجبر الخاطر وتحفظ الود، وتصنع الإنجاز وتقرّب مسار التواصل مع المواطن، وتحميه من التأثيرات الأخرى التي تضر بمصالحه وصحته وسلامته؛ لذلك تضع هذه المرحلة أمام القرار الوطني ـ وأعني به قطاعات الدولة المعنية ومؤسساتها ذات العلاقة ـ أمام مسؤولية المحافظة على انتظام هذا التواصل وعمقه وكفاءته، إذ لا يمكن تصور قدرة المؤسسات على تحقيق هذه الإجراءات الاقتصادية وغيرها في ظل غياب وجود مواطن واعٍ لها، مدرك لأهدافها، عارف بأدواتها، وفي الوقت نفسه فإن إبقاء المواطن على معرفة بهذه الجهود وإدراك بما تحمله من مغازٍ، والمصلحة المتحققة له تتطلب استدامة هذا الترابط والتكامل، واحتواء المواطن واستشعار الهاجس الذي يعيشه، والظروف التي يتعامل معها.
عليه، فإن أبسط تفسير يمكن أن نشير إليه في التعاطي مع هذه الأحداث يكمن في تحفيز المواطن إدارة كفؤة لمشاعره، تأخذ بأسباب القوة، وتمنح المواطن مساحة واسعة في توظيف هذه النواتج لصالح البناء المجتمعي، لذلك لم تكن إدارة المشاعر ترفا فكريا أو لغة مزاجية أو مسكنات وقتية، بل خيار وطني واستراتيجيات أداء ومبادرات قطاعية وثقافة مؤسسة وسلوك مسؤول حكومي وقوانين وتشريعات وأنظمة عمل وبرامج أداء، في الحدِّ من تأثير تداعيات الإجراءات الاقتصادية على حياة المواطن بالشكل الذي يسهم في توفير بيئة أمان نفسي وفكري وصحي تمنحه فرص إعادة إنتاج أفكاره، وتطوير ممارساته، وترقية مشاعره بما ينسجم مع الروح الوطنية والغايات السامية، فهي بذلك محكومة بالقوانين والتشريعات والأحكام النافذة، ومصانة بمنظومة محاسبية ومتابعة قادرة على تشخيص الحالة الوطنية وتمتلك الإجراءات والأدوات الضبطية التي تفصح عن طبيعة السلوك المؤسسي، وبالتالي تجذير هذا التوجُّه في فقه المؤسسات واليات العمل والخطط الخمسية للدولة والخطط الاستثنائية مثل، خطة التوازن المالي وخطة التحفيز الاقتصادي وغيرها، وهو ما يعني أهمية أن تكون حاضرة في فقه المؤسسات، وإدارة القطاعات، وأن يضمن الجهاز الإداري للدولة حضور هذا المسار بكل تفاصيله في منظومة الأداء الوطني، وثقافة المؤسسة، وعمل المسؤول الحكومي، واستراتيجيات الدعم والحوافز، والصلاحيات والتمكين، مع وضوح قنوات العمل والآليات والبرامج والخطط والسياسات المعززة لها في واقع الجهاز الإداري للدولة، بالإضافة إلى التشريعات والضوابط والمتابعة والمحاسبة التي تحفظ حق الموظف والمواطن والمؤسسة، وبما يضمن استدامتها وابتكاريتها وتوجيهها لمعالجة طبيعة المشكلة والظروف الطارئة، كما لا تعني مسألة تحفيز المواطن وإدارة مشاعره محاولة إبعاد المواطن عن المشكلة وعين التحدي، بل إشراكه في رسم ملامحها وبناء مدخلاتها والإفصاح عن العقبات التي أسهمت فيها، بما يعكس ظروف المواطن وأولوياته واحتياجاته ومطالباته، حتى يصبح النتاج المتحقق منها أكثر واقعية وعدلا، وشمولا واتساعا، ومهنية وموضوعية، إذ الأحداث تفصح عن واقع فعلي معايش، والمواقف تعبِّر عن سلوك مجتمعي ممارس، والظروف والمتغيرات ترصد مستوى التناغم أو الفجوة الحاصلة بين التخطيط والتنفيذ، والتنفيذ والرقابة، وعندها سيكون النتاج المتحقق أقوى أثرا، وأعظم إنتاجية.
وبالتالي فإن الحاجة اليوم إلى خطة تحفيز مماثلة للمواطن تقوم على رعايته ودعمه وتنشيط الفرص والممكنات لديه، وتعزيز فرص حصوله على استحقاقات أفضل في ظل تداعيات الوضع المالي والاقتصادي والتأثير النفسي المرتبط به، فإن تحفيز وإدارة المشاعر بذلك مساحة واسعة من الابتكارية والحوافز تصنعها المؤسسات كل في مجال اختصاصاتها، يستهدف تخفيف العبء عن المواطن، وإشعاره بأهميته وتقديره، والاعتراف بما يقدمه من أجل هذا الوطن، فهي بذلك معادلة التوازن في البناء النفسي والفكري للمواطن في تعاطيه مع الظروف الاقتصادية الحاصلة، تصنعها قطاعات الدولة ومؤسساتها وفق ضوابط واضحة، ليست امتنانا على المواطن، بل استشعارا بدوره في إنتاج القوة وصناعة الفارق، ويصبح تنافس المؤسسات وتفاعلها وإيجابيتها ومصداقيتها في تحقيق هذه المنظومة؛ الطريق لرسم استحقاقات النجاح والتميز والوصول إلى درجات الاعتراف المجتمعي الذي يضمن لهذه القطاعات والمؤسسات حسن السمعة والتقدير، بما يتعكس على تقبل المجتمع لما تطرحه من أجندة التطوير والتحديث.
عليه، فإن تجسيد إدارة مشاعر المواطن في ظل هذه الإجراءات الاقتصادية ينطلق من أطر صحيحة وقواعد ثابتة وممارسة أصيلة، تعصمها من الأنانيات وتبعد عنها الاجتهادية في التصرف يأخذ في الاعتبار جملة من الحوافز الوطنية التي تستهدف رعاية ودعم المواطن العماني ممن يعتمد على راتبة الشهري في تحقيق متطلبات العيش بدون استثناء، في قائمة طويلة غير منتهية من الفرص والممكنات التي يمكن ان تقدمها المؤسسات بشكل جمعي وعبر برامجها ومنصاتها الإلكترونية وقاعات الخدمة في المؤسسات الخدمية، أو تبرزها بشكل شخصي نظرا لطبيعة هذه الحوافز والفرص، سواء من خلال اسقاط القروض البنكية وتقنين سعر الفائدة في القرض الاسكانية بما لا يزيد عن 2%، ونظام دعم الأسرة، وإعادة النظر في خطة الحكومة لرفع الدعم عن خدمات الكهرباء والمياه والوقود لتبدأ عملية الدعم في ضوء ما انتهى إليه الراتب الشهري للمواطن بعد استقطاع الديون البنكية، وإعادة مراجعة أسعار وخدمات شركات الاتصالات في ظل عدم تناسب هذه المبالغ المفروضة مع نوع الخدمة المقدمة، ناهيك عن عدم الوضوح في سياساتها المتخذة حيال هذه الخدمات والباقات والعروض التي تقدمها؛ وإعادة خفض الرسوم المطلوب من المواطن في الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية كالشرطة والإسكان والتطوير العقاري ووزارة العمل ووزارة الداخلية ممثلة في البلديات وغيرها من المؤسسات مع إعادة تنظيم وضبط هذه الرسوم بما يقلل من تأثيرها السلبي على فقه المواطن وقناعاته، بل وولائه وانتمائه الذي أصبح اليوم على المحك في ظل قسوة هذه الضوابط وضعف مستوى المرنة فيها؛ وترقية أسلوب الخطاب المؤسسي وضبط الانحرافات الحاصلة في تصريحات بعض المسؤولين أو التي يفهم منها نوعا من الاستفزاز النفسي للمواطن عبر ترديد بعض العبارات في خطابات المسؤول الحكومي التي تبرز حالة من عدم الثقة بالخبرة العمانية وكفاءة الإنسان العماني، بحيث تنطلق منظومة الخطاب من مرتكزات واضحة وموجهات خطابية نوعية تجبر الخاطر وتبني الأمل وتعزز من الإيجابية وترسم ملامح الابتسامة في حياة المواطن، بما تقدمه من فرص وتعززه من نجاحات، في التعاطي مع الصدمات وردأت الفعل وحالات التذمر والامتعاض في ظل الظروف الاقتصادية المتراكمة.
أخيرا، عندما يستشعر المواطن هذا التكامل في الجهود القطاعية، والمصداقية في إنتاج الحلول وصناعة البدائل، والتفكير خارج الصندوق، وعبر التثمير في الموارد الطبيعية والمعادن والغاز والقطاعات الواعدة كالسياحة واللوجستيات، والاقتصاد الأخضر والموقع الجغرافي للسلطنة، والصناعة والتجارة والطاقة المتجددة، وتوفير الخيارات التي تتيح للمواطن فرص اختيار وإدارة مشروعه الاقتصادي، فيقف على مسؤولياته، ويعمل جنبا إلى جنب مع توجهات الدولة بعيدا عن هاجس القلق الذي أصبح يعكر حياته ويؤثر سلبا على قناعاته وثوابته وأخلاقياته ومسؤولياته الاجتماعية ومبادراته، وما ارتبط بذلك من تجاوزات بدت تظهر على السطح عبر منصات التواصل الاجتماعي أو غيرها، فالله الله في المواطن لطفا ورفقا؛ ففي ذلك مساحة أمل، يستبشر بها خيرا، ويستشرف بها فجرا، ومسارا يرسم له خريطة طريق بجماليات الحياة ورونقها وصفائها ونقائها رغم دروبها الصعبة ومطباتها كاسرة الظهر.