[author image="http://alwatan.com/files/2014/04/ahmedalma3shany.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]أحمد المعشني[/author]
قرأت قبل كتابة هذا المقال قوائم جديدة لمسؤولين كبار طالهم التقاعد بعد ثلاثة عقود من خدمة الوظيفة العامة على اختلاف مناصبهم وجهات عملهم. استثمر هؤلاء وأمثالهم مواهبهم وخبراتهم في خدمة الوطن طيلة سنواتهم الوظيفية، ثم تقاعد أغلبهم دون سن الستين من أعمارهم. غادروا مكاتبهم وهم في أوج العمل والعطاء كلٌّ حسب موقعه وتخصصه ورتبته.

يشعر أغلبهم بمس حزنٍ من الفراق المهني في اللحظة التي سيفارقون مناصبهم الرفيعة التي دأبوا وثابروا وجاهدوا حتى اعتلوها. تعودوا على توجيه الأوامر والتعليمات وعاشوا لسنوات طويلة يفكرون بعقلية الآمر الناهي، وتعودوا على سماع المجاملات ومناداتهم بألقاب ومسميات من قبيل (سيدي) و(سعادتك) .. وغيرها من الكنى والألقاب. وها هم يحزمون أمتعتهم ويلملمون مقتنياتهم الشخصية استعدادًا للمغادرة. عندما قرأت أسماءهم ورتبهم ومناصبهم العسكرية والمدنية والأمنية، انتابني شعور بالفضل والتقدير لهؤلاء القادة الرائعين، الذين كُنّا وما زلنا نحفظ لهم في نفوسنا تبجيلًا وتقديرًا نظير عطائهم غير المحدود لعمان وشعبها. وهنا أسجل كلمة شكر وعرفان لهؤلاء الأشاوس، كم كانوا رائعين ومخلصين ومنجزين. إنكم إذن تخرجون من مكانكم بعد هذا الجهد العظيم والعمل المخلص والخدمة المتجردة لعُمان وأبنائها، فإننا نشكركم ونطلب منكم الاستمرار في العطاء. نتطلع أن نرى مواهبكم وخبراتكم وتصوراتكم موظفة بفاعلية في مجالات جديدة سواء أكانت شخصية أو عامة. كنتم وأنتم في وظائفكم لا تجدون مُتّسعًا من الوقت لممارستها. كما تعلمون فإن الحياة تقوم على ثنائية الأخذ والعطاء، وعندما يتوقف أي إنسان عن الحركة والعطاء، فإن ميزان حياته يختل، وتبدأ أسباب الأفول تفترسه.

قرأت عن حالات كثيرة استمروا في البذل والعطاء في مجالات العمل التطوعي فامتدت أعمارهم إلى ما بعد المائة، واستطاع بعضهم أن يضعوا بصمات من الإبداع في مجالات الحياة المختلفة. لقد كان أجدادنا يعملون بلا كلل أو ملل من سن السادسة حتى آخر رمق في حياتهم، وما يطلق عليه اليوم (التقاعد) هو مصطلح بدعة. يصيب بعض الناس بالخوف والذعر، ويظنون بأن حياتهم قد شارفت على الأفول.

إن الحياة مستمرة وقابلية كل إنسان للنمو في مسار اهتماماته وهواياته حالة متحركة، إذا استوعبها الإنسان ووظف من خلالها تفكيره ومشاعره وحركته؛ فإن الحياة ستبتسم له من جديد. وسيجد نفسه مستغرقًا في أعمال شيّقة وممتعة ومثمرة.

أذكر هنا سيرة صديقي الأديب الحضرمي المهندس نجيب سعيد باوزير الذي عمل مهندسًا مدنيًّا لمدة أربعين عامًا، وعندما تقاعد بعد الستين، التحق بجامعة حضرموت لدراسة الأدب باللغة الإنجليزية واستطاع أن يتخرج بامتياز، وبدأ مرحلة جديدة من ترجمة أعمال المستشرقين الذين زاروا حضرموت في فترات تاريخية مختلفة. كذلك أتابع عبر وسائل التواصل الاجتماعي نشاط المشاء السعودي الدكتور عبدالله القويز الذي استطاع أن يصل إلى قمة رابع أعلى الجبال ارتفاعًا في العالم وهو جبل كلمنجارو في تنزانيا، حيث كان عمره 79 سنة عندما اعتلى قمته لأول مرة في حياته، ولا يزال بعد مرور حوالي عشر سنوات من نجاح تجربته يمارس هوايته المحببة في بقاع كثيرة حول العالم. كما تحضرني قصة أم عبدالله الكويتية التي بدأت في حفظ القرآن الكريم بعد سن السبعين واستطاعت أن تحفظ القرآن كاملًا عن ظهر قلب، ثم بدأت تعلمه في عمر الخامسة والسبعين. ومن المتقاعدين الذين أحدثوا تغييرًا فارقًا في حياتهم أذكر قصة شقيقي مسلم بن علي المعشني الذي بدأ ممارسة المشي الطويل وتسلق الجبال بعد سنة واحدة فقط من تقاعده، كانت لياقته ضعيفة جدًّا، ولم يكن بوسعه أن يصعد طابق أو طابقين، ومع الممارسة المنتظمة للمشي الطويل يوميًّا صار عضوًا فعّالًا في فريق (هايكنج) يجوب وديان ظفار ويعتلي قمم جبالها مؤكدًّا بذلك أن التقاعد عبارة عن ميلاد جديد، وفرصة ذهبية لمواصلة الحياة بحرية واستمتاع.

إن الروح التي تمثل جوهر الإنسان هي نور إلهي لا يشيخ ولا يهرم ولا يموت، فهي نفحة خالدة وعندما نجعلها محور تفكيرنا وانتباهنا ونشاطنا واهتمامنا؛ فإننا نحافظ على جذوة الحياة متقدة.

* رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية