تهلُّ علينا بعد أيامٍ قلائلَ ذكرى عزيزةٌ على قلبِ كلِّ مسلم ومسلمة، تلك الذكرى المباركة هي ذكرى ليلة الإسراء والمعراج، تلك المعجزة الإلهية التي حدثت في شهر رجب الفرد، شهر الله الحرام لأن شهر رجب الفرد يدخل ضمن الأشهر الحرم، وقد حدثتْ فيه تلك الحادثة الكبرى لرسول الله )صلى الله عليه وسلم( والتي تدل على مدى تأييد السماء لشخصه الشريف، وتَشِي بمدى عنايتها، وحسن رقابتها له، ولكلِّ ما يتعرض له في هذه الحياة، كما جاءت تسلية وتخفيفًا عما فعلتْه معه قريش، والطائف عندما ذهب إليها يدعو الله علَّه يجد منهم آذانا صاغية، وما لاقاه من صدٍّ عن سبيل الله، ومن تضييق، ومحاولة لقتله، ثم اضطرته قريش ومن فيها من المشركين وجهاء القوم إلى ترك مكة الحبيبة إلى قلبه، والتي فيها البيت الحرام، مهوى القلوب، ومتنفس الطائعين، فخرج منها حزينًا مهاجراً إلى المدينة المنورة، فحَدَثَ الإسراءُله قبل هجرته الشريفة، حيث جاءه جبريل ـ عليه السلام ـ بالبُراق الذي يضع حافره عند منتهى بصره، ومضى به من البيت الحرام في مكة المكرمة إلى بيت المقدس، حيث المسجد الأقصى، في رحلة الإسراء، فسرى به من مسجد إلى مسجد، حياة طهر وعفاف، وصلة وبالله وقرب، ثم عرج به إلى السموات العلا، وقابل فيها أبا الأنبياء، وأبا البشر آدم ـ عليه السلام ـ وعددًا كبيرًا من الأنبياء والمرسلين، وشُرِعَت الصلاة هديةً له، ولأمَّته في السماء السابعة عند سدرة المنتهى، ولتكون معراجًا للمؤمن كلَّ يوم خمس مرات، أو ما شاء من السنن، والقيام، والتهجد، وصار بعدها المؤمن موصولا بربه كلَّ يوم وليلة، حيث يعرج بصلاته إلى مولاه، ولا ينقطع عن خالقه، هذا الشهر شهر الإسراء والمعراج، شهر رجب الفرد، حدثت فيه هذه النقلة الكبرى للإسلام، وأهله، والذي فُرِضَتْ فيه تلك الصلاة التي هي نعمة النعم، فرضت على المسلمين، ونزلت فيه سورتان اثنتان، هما: سورة الإسراء، وسورة النجم، ونحاول هنا قراءة آية الإسراء، وبيان واكتشاف الجوانب البلاغية والتربوية فيها، ودلالة أحرف المعاني، والقوالب الصرفية، وطبيعة التراكيب النحوية فيها، والتي نقلتْلنا بكل دقة هذه الحادثة نقلا رائعًا تضمَّن كلَّ ألوان البلاغة، واحتوى مظاهر من جلال الأسلوب، ورصانة التعبير، وكمال الصورة التعبيرية التي شخصت الحدث كأنما تراه واقعا ملموسا بين ناظريك، يقول تعالى:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء ـ 1).بدأت الآية الكريمة بكلمة:(سبحان) التي هي عَلَمٌ على التسبيح الذي يشمل التنزيه، والتعظيم لله الذي اقتضتْ مشيئته أن يفعل هذا الفعل تكريمًا لنبيه، وتخفيفاً عن رسوله، وليبين له كذلك طبيعة المستقبل الذي ينتظر هذه الأمة، وما لها ، وما عليها، وما سيحدث لها في كلِّ مناحي الحياة، وكيف يتصرف الرسولُ الكريم وفق الضوابط الشرعية، والنواميس الربانية حيالَ ذلك، وكلمة (سبحان) مبالغة في التسبيح، والتنزيه، والتعظيم؛ لأنها اسم مصدر من الفعل (سبَّح) الرباعي، فخالف المصدر، وهو التسبيح؛ ليبن أن الحادثة لا تدخل تحت أيِّ قوانين، ولا نواميس معروفة، لا لغوية، ولا طبيعية فيزيائية لأنها في الأصل إعجاز فوق الوصف، وخروج عن كل تصور، فكذلك خالف المصدر فعلَه، واخترق القاعدة النحوية والصرفية كما اخترق قوانينَ الكون في أن يسافر الرسول بقدرة الله ملايين الكيلومترات في سحابة ليل، لم يبرد معها مكانُ نومه، وعاد فوجده كما هو ساخنًا، وهو أمر منطقي يتوافق وطلاقة القدرة الإلهية التي لا تدخل تحت تصور العقل المخلوق لله، فإشاعة جو التسبيح والعبادة، ومناخ التحميد، والجلال، يتناسب وجلال المهمة، وسموَّ الغاية، وكمالَ القدرة، فالسين والباء والحاء في الفعل الذي صيغ منه اسم المصدر(سبحان) تحمل معنى الطاعة، ومقام الخشوع، والتسليم والخضوع، بدأها الله ـ جل جلاله ـ بتسبيح نفسه لأن الموقف يشمله الجلالُ، وتحوطه صفاتُ الكمال، حيث إنه لا يقدر على إسراء أحدٍ على تلك الصورة التي وصفتْها كتب السيرة المطهرة، وبهذه الصفة التي عرفناها، وقرأناها، ووقفنا عليها ، لا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه، وهي مسألة من المسائل العقدية التي يلزم الذهابُ إليها، واليقينُ،والتسليمُبها، فهذه العبادة، وهي التسبيح والتمجيد والتعظيم التي ابتدأت بها السورة الكريمة، والتي بيَّنت طبيعة القدرة الإلهية تتطلب تنزيهَ الله عن أيِّ نقص، وتصور، إنه كمال فوق كمال، محوط بكل جلال، ثم بدأ بتنزيه نفسه، وتعظيم شأنه؛ لأنها مناسبة يستحيل على بشر مهما أوتِي من قوة أن يقوم بمعشارها.د.جمال عبدالعزيز أحمدجامعة القاهرة بكلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية[email protected]