[author image="http://alwatan.com/files/2014/04/ahmedalma3shany.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]أحمد المعشني[/author]ما زلت أتذكر صورة جدي لأمي في مواضع الصلاة والنوافل والطاعات، يقوم في العجز الأخير من الليل يتهجد ويدعو الله بأوراد وأذكار وتسابيح كثيرة وطويلة، ويستمر على ذلك حتى يصلي الفجر ثم يجلس ما شاء الله له بعد الصلاة. كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وعاش طيلة حياته في الجبل، كان قليل الاختلاط بالناس، فكانت حياته كلها عملا وعبادة بالنهار ثم يجعل الليل محرابا للقيام والتهجد، يحافظ على وضوئه من الصباح حتى المساء لأن الماء في تلك الأيام كان قليلا. لم يتلق تعليما البتة، ولم يجالس علماء ولم تكن في الجبال مساجد يختلي إليها ليتعلم منها ما كنت أسمعه يردد من أذكار وأوراد؛ كنت أتساءل بعد أن كبرت وتعلمت من أين له تلك الأوراد والأذكار وهو لم يذهب إلى كتاب أو مدرسة أو حلقة علم؟ ومن الذي علمه؟ وكنت أسأل أمي لعلها تكون أخبر مني بخلفية جدي الله يرحمه، فكانت تؤكد لي أنها منذ أن بدأت تعي وتتذكر وهي تسمعه يردد تلك الأذكار والتسابيح ولا تعرف كيف تعلمها. كان الرجل بسيطا، كريما، شجاعا، كاتما للسر، عفيفا، لم أره يوما متلبسا بغرور أو كبرياء. كان لين الجانب، كريما، يألف ويؤلف؛ موطئا أكنافه لمن يعرف ومن لا يعرف، ويسعى في قضاء حوائج الناس على قدر ما تسمح به الظروف في تلك الأيام. وفي أواخر حياته أصاب عينيه نزول أضعف بصره حتى لم يعد يرى شيئا؛ فكان يدعو الله تعالى أن يرد إليه بصره، فاستجاب الله دعاءه فتعالج وتعافى. أدركت لاحقا بعد أن تعلمت العلاقة بين التقوى وبين الوعي القلبي الذي يكتسبه المواظبون على الطاعات والنوافل. وكيف أن الالتزام بالفروض من أحب الأعمال إلى الله، وأنه لا يزال المؤمن يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه، فإذا أحبه جعل لسانه وسائر جوارحه ربانية، تتحرك بنور الله سبحانه وتعالى، ثم علمت أن لدى الصوفية ما يعرف بالوارد، الذي يتلقاه العابد على شكل نور يقذفه الله في عقله وقلبه فيجذب إليه سرورا أو حكمة أو علما. وصور الوارد كثيرة كالنور الذي يقذفه الله في قلب عبده فيخلصه من الغفلة والبلادة ومنه نور رباني يسبله الله على سائر جوانب حياة الأتقياء فتصبح أمورهم موفقة ومسددة، فضلا عما يكتسبه العابد من السلام الداخلي والسكينة وطمأنينة النفس والفراسة. فأنا أعرف أشخاصا حظهم من التعليم النظامي قليل جدا، لكنهم إذا كانوا في موضع التذكير يقفون لساعات وهم يتحدثون باسترسال بكلام منسق ومفيد تزينه استدلالات من القرآن والحكمة والشعر، بالرغم من عدم إعدادهم لتلك المواقف، بينما يلبس على آخرين فلا يستطيعون توصيل أفكارهم إلى من حولهم. إن قانون الوارد يمكن تعلمه واكتسابه وتوظيفه في المؤسسات والشركات، فأنا ألاحظ في بعض زياراتي إلى مؤسسات وشركات في ماليزيا أنهم يخصصون في كل شركة أو مؤسسة مصلى ويجعلون للصلاة وقتا محددا، ولكل مؤسسة إماما يصلي بالموظفين ويقرأ عليهم بعض الرقائق ثم يختمها بالدعاء، فبمثل هذا الورد اليومي يستجلب الوارد طاقة إيجابية تأتي على شكل بركة وسكينة روح إيجابية تستقبلها قلوب وعقول العاملين في تلك المؤسسات.