يؤكد أنه لا جائزة مهما كان حجمها تمنح لمعايير الجودة فقطالروائي ليس خارقا ولا يستطيع أن يقفز لغير المعقول لكنه يتبع إحساسا يؤدي للحقيقة عدم مشاركة الرواية العربية في الزخم العالمي ليس لقصور فيها بل لأننا نتعمد إقصاءها هنالك غزو سردي رهيب ولم يعد بالإمكان العثور على كاتب جيد بسهولة "مؤلف يقلد دور المؤلف" جملة رنانة وشاعرية لكنها ليست واقعية أبدا! الجوائز تعويض عن الوقت الضائع في البحث والقراءة والكتابة.. ولكنها لا تصنع كاتبا أو تلغي آخر النص الذي يترجم ويحدث أثرا كبيرا وتتناقله الأقلام ويقرؤه الكثيرون هو النص العالمي لم يعد الناقد متحمسا لمطاردة كل ما يصدر ولن يستطيع فرز السمين من الغثحاوره ـ فيصل بن سعيد العلوي :"في الصباح كانت العربة الحكومية التابعة لمستشفى طوكر الريفي، تقله في الصحراء بعيدًا، وسط خلاء جاف، ورمال متشعبة في شكل تلال عالية، يراقب السراب الذي يخاله ماء، وعددًا من الرعاة، يبحثون عن كلأ لماشيتهم لن يجدوه، وبين الحين والآخر، تمرق بجانبهم عربة مسرعة يتبادل سائقها التحية مع سائقه بإطلاق النفير العالي المتقطع.. كان بحوزته أكثر من عشرين قلمًا من ماركة قلم زينب، اشتراها من سوق شعبي مر به قبل مغادرة المدينة، وينوي استخدامها في الكتابة".. هذا الفعل الذي كلما مارسه يشعره منذ الطفولة بالتوتر والحزن أكثر.. وما زال يمارسه هكذا رغم الأصوات التي تعددت في تجربة عظيمة صاغت الواقع والمتخيل في حكايتها .. هو لا يحب أن يكون في حالة كتابة، بالرغم من أنه يعشق الكتابة بسبب الإرباك والحزن، والتوتر، حتى ينتهي النص، وبعدها يقرؤه بحيادية وبلا تشنج إلا أنه يراه قدرا لا فكاك منه .."يلجأ أمير تاج السر كما يرى الكاتب صلاح سر الختم علي في معالجته للرواية التاريخية بشكل خاص إلى إضافة كثير من المتخيل الروائي إلى الحدث أو الشخصية أو المكان التاريخي، وفي الغالب تشكل حقائق التاريخ وشخصياته وأمكنته جزءا ضئيلا من مجموع العمل يوازي الهيكل الخرساني الضخم للبناية، وتشكل إضافات الروائي بقية البناء الذي يحيل الهيكل إلى بناية مكتملة الأركان".الروائي أمير تاج السر وهو ضمن القائمة الطويلة للمرشحين لجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الحادية عشرة عن روايته "منتجع الساحرات" الصادرة في العام (2015) وقبلها وصول روايته "صائد اليرقات" للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية ٢٠١١م ترجمت معظم أعماله إلى الكثير من اللغات الحية منها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وصدر له إضافة إلى الدواوين الشعرية بالعامية السودانية والفصحى روايات متعددة بدأت من "كرمكول والحصانة القروية" ثم "سماء بلون الياقوت" بعد انقطاع عن الكتابة دام عشر سنوات، ثم رواية "نار الزغاريد" ثم "مرايا ساحلية"، تلاه مرحلة انطلق بها من رواية "مهر الصياح" تلتها رواية "زحف النمل" وليس انتهاء بروايته 366 الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الأولى عن فئة الرواية المنشورة ..* نتحدث بداية عن أهمية الجوائز الأدبية في تتويج مسيرة الكاتب، خاصة أن جوائز "الرواية" تحديدا ليست كثيرة (كمَّا) ؟ وماذا تشكّل للروائي الفائز؟ أو الروائي عموما؟** في البداية لا بد من الإشارة إلى أهمية جوائز الكتابة في بلاد ليس فيها حقوق للكتاب بصورة جيدة، أو حتى شبه جيدة. الناس يكتبون وينفقون زمنا في الكتابة، وبعضهم لا عمل له غيرها، ومع ذلك لا عائد يسر القلب أو يسهل العيش. الجوائز إن حصل عليها الكاتب، هي تعويض عما أضاعه من وقت في البحث والقراءة والكتابة، وليست ضارة بكل تأكيد إلا في مسألة تسلل بعض الذين لا يملكون موهبة الكتابة وصبرها إلى المشهد بأعمال ركيكة طمعا في جوائز. أما كون تلك الجوائز، تصنع كاتبا أو تلغيه، فهذا ما لا أؤيده، فالذي يحصل على جائزة ليس هو الأفضل والذي لا يحصل عليها ليس سيئا، هي حظوظ وكفى. ولا ينبغي للذي لم يحصل عليها أن يبتئس، عليه المحاولة باستمرار.* يرى جون بارت أن شكل الرواية يلده ويكتبه مؤلف يقلد دور المؤلف .. وقد أثيرت الكثير من علامات الاستفهام حول واقعية هذا الرأي من عدمه في مؤتمر الرواية العربية وأنت أحد الحضور الذين كان لهم رأي في الأمر حبذا لو تحدثنا عنه؟** لا أدري ماذا يقصد، لكني طالما كنت ضد النظريات التي تكون في الغالب مجرد كلام، لا يأتي بثمار حين يوضع في حيز التطبيق، جملة مؤلف يقلد دور المؤلف، رنانة وشاعرية لكنها ليست واقعية أبدا، المؤلف هو المؤلف، إن اضطلع بوضع نص ما، وتكملته ونشره، ولا شيء آخر.* البعض يعتقد أن الروائي معني بطرح الأسئلة والأجوبة معا ! في حين أن بعض الكتاب يرون أن "المثقف" عموما غير معني بطرح الأجوبة .. في الحالة الواقعية التي أفرزها ما سمي بالربيع العربي .. هل فعلا كان للمثقف دور يمارسه لتوجيه الرأي العام .. وهل هو معني أصلا ؟** هناك نظريات كثيرة في هذا الشأن، أعني دور المثقف والكاتب، وهناك من يرى أن المثقف عموما معني بتلقف الأسئلة الملحة والإجابة عليها، في عملية للتنوير من الواجب أن يقوم بها. أنا أرى أن هذا الدور ربما انحسر في السنوات الأخيرة، والمثقفين لم يعودوا معنيين إلا بمصالحهم الخاصة بعيدا عن أحلام الشعوب، وكثيرون سحبت الأبسطة من تحت أقدامهم، واستبدلوا بفئات اجتماعية أخرى. الكاتب في رأيي يلتقط ما يحدث من حوله، ويثير نقاط السخط بقدر الإمكان، ويسلط الضوء على البؤر المعتمة في الحكايات والمآسي، لا أحد مثلا يرى مآسي الحروب والتشرد والموت ولا يكتب شيئا، أو يدلي بانطباع ساخط داخل رواية، لا أحد يشاهد احتراق حلب وموت سكانها ولا يشير إلى ذلك، لكن بالنسبة لوضع الحلول، فليس بمقدرة الكاتب أن يفعل ذلك.* في المحاضرات التي أقيمت في جائزة كتارا تمت الإشارة إلى أن الباحثين حين يؤرخون لظهور بعض الأجناس في أقطارهم يتجاهلون "وحدة الثقافة العربية" في حين أن المبدع لا يتتلمذ بالضرورة على نتاج أدباء قطره .. ما يحيلنا إلى اعتقاد أن ثمة تعمّدا لدى البعض في تدوين تاريخ دولته أو قطره عموما لترجيح كفتهم بعيدا عن الحيادية .. ما نظرتك لمثل هذه الحالات، وكيف تقيّم إسهام "الباحثين" في التقليل من أهمية الأدب السوداني مثلا لصالح أدب آخر؟** بالتأكيد الأمر لا يخلو من تعصب، هو سائد في مجتمعاتنا وحتى عند المتعلمين أو المستنيرين، نحن دائما نضع دولا معينة في صدارة المشهد الثقافي، ونضع السائرين في دروب أخرى مختلفة، قسرا في درب واحد مرصوف سلفا، هناك بعض الحقائق، وأعني توجد بلاد يكثر فيها المبدعون وتكثر فيها فرص البدايات للإبداع، والنشر، والتقاط الحفاوة، مثل مصر، وكنت من الذين بدأوا منها، بحكم وجودي هناك للدراسة، وأيضا ساعدني توفر خامات المعرفة، والكتاب والشعراء الذين أحتك بهم؛ لأبدأ طريقي. هذا لا يقلل من كون كتابتي سودانية، محلية حتى الآن، فنشأتي الأولى استأثرت بأجواء الكتابة، ونزوحي بعد ذلك، منحني سكة البداية.* ترى الباحثة آمنة يوسف ان الاستشراف التي يعلن فيها الراوي عن أحداث قبل وقوعها وتحققها تتواجد في الرواية ذات الاتجاه التقليدي، في حين أن هذا الاستشراف في تقنية الرواية الحديثة يقع تحت مسمى "التوقع" وذلك حين يتوقع الراوي (أو إحدى الشخصيات الروائية) أحداثاً يمكن أن تتم لاحقاً دون أن يؤكد الراوي مدى تحققها، فقد تتحقق بعدئذٍ وقد لا تتحقق، ما صدق التطبيق لهذه التقنيات مع أمير تاج السر .. وهل يؤكد هذا الأمر فعلا أن السرد الروائي مرتبط بالاتجاهات الأدبية التقليدية والحديثة والجديدة وغير مستقل عن تناول أبرز تقنياته المنطلقة من العناصر الفنية المكوِّنة لبنيته الداخلية ؟** الروائي يعتمد على الخيال، مع بذرة من الواقع طبعا، هو ينمي تلك البذرة، بأن يسقيها بأشياء ليست موجودة لكن ليس من المستبعد أن توجد يوما ما. حين تكتب عن بيت على شكل حذاء كبير أو سفينة، في ناصية أحد الشوارع مثلا، وتملؤه بالأحداث، فأنت تكتب عن متخيل، لكن قد يصادف أن يشيد أحدهم بيتا بهذه المواصفات، ولا يعني هذا أنك تنبأت، ولكن يعني أنك رصدت حقيقة، كانت مختفية وظهرت. سأقول أنني تنبأت بأحداث الموصل قبل وقوعها بسنوات، وكنت أكتبها لأنها ستحدث يوما ما، كان ذلك في روايتي توترات القبطي، الصادرة طبعتها الأولى ٢٠٠٩، أيضا كتبت عن الهبة الأولى لفيروس إيبولا في الكونغو وجنوب السودان عام ١٩٧٦، وذكرت شيئا عن هبة قادمة للفيروس، كان ذلك في ٢٠١٢، وحدثت الهبة الثانية عام ٢٠١٤، هكذا، وهناك أشياء أخرى كثيرة كانت من الخيال عندي أو عند غيري، وكانت حقائق تأخر ظهورها فقط. الروائي ليس خارقا، ولا يستطيع أن يقفز لغير المعقول، لكنه يتبع إحساسا يؤدي للحقيقة.* ترى الدكتورة هويدا صالح أن ما حققته الرواية في أميركا اللاتينية من طفرات جمالية وموضوعية، كذلك الرواية في الصين وإفريقيا أزاح قليلا هيمنة الرواية الأوروبية على العالم، ولم يعد من المقبول تجاهل إسهام وتأثير آداب الشعوب غير الأوروبية، في تشكيل المشهد الروائي العالمي .. وحين نعمد إلى قراءة المشهد الروائي العربي ووضعه ضمن سياقات الكتابة العالمية يحيلنا ذلك إلى جملة من التساؤلات ومن أهمها: هل الأفضل للرواية العربية أن تحرص على المحلية وما تمثله من خصوصية في طرحها للهموم والقضايا ؟ أم الأفضل لها أن تطرح هموما لها صفة العالمية، وتفارق المحلية بخصوصيتها وضيقها؟** لماذا دائما الرواية العربية، محلية وضيقة وضعيفة، وواهنة في نظر البعض؟! لماذا نستخف بكتابتنا ولدينا خامات رائعة، وأساطير وتراث، وخصوصية لا توجد عند غيرنا؟! أنا أعتقد أن عدم مشاركة الرواية العربية في الزخم العالمي ليس لقصور فيها، ولكن لأننا نتعمد إقصاءها من ذلك الزخم، نتعمد تغطيتها كأنها عورة، والمؤكد أننا لا نقل كفاءة في آدابنا عن أي شعوب أخرى، هم لم يأتوا بالمستحيل ونحن لم نأت بالمستحيل أيضا، فقط أمسكوا بآدابهم، زركشوها وأطلقوها في الفضاء، ونحن دهناها بالرماد وخبأناها. هذا هو الفرق. أنا من الذين ترجموا للغات عديدة وفي كل تلك اللغات تم الاحتفاء بنصوصي، لم يقل أحد أن (صائد اليرقات) رواية تعيسة، وينبغي ألا تترجم، وذكر كثيرون أن رواية (إيبولا ٧٦)، نص عالمي بكل جدارة، هذه أمثلة فقط، وهناك كتاب عرب أفضل مني في السمعة الخارجية، وتجد أعمالهم رواجا كبيرا.*.. هذا يحيلنا إلى اعتقاد أن معايير تصنيف رواية ما بأنها عالمية هي أن تترجم إلى عدة لغات ويتحقق لها الانتشار الجماهيري الواسع؟** نعم، هنا نتحدث عن التأثير الذي يحدثه العمل المترجم، وليس الترجمة فقط، لأن هناك نصوصا تترجم للغات أخرى من دون أن تستوفي شروط الاتقان والتميز. النص الذي يترجم ويحدث أثرا كبيرا، وتتناقله الأقلام، ويقرؤه الكثيرون، هو النص العالمي.* هل الجوائز العالمية الكبرى مثل "نوبل" تُمنَح فعلا للروايات التي تحقق معايير فنية وجمالية وثقافية حقيقية أم تُمنَح لأسباب متعددة منها السبب السياسي والأيديولوجي؟** لا أعرف آليات منح جائزة نوبل جيدا، لكن من المؤكد أن لها نصيبا من وعكات منح الجوائز، فلا توجد جائزة مهما كان حجمها تمنح لمعايير الجودة فقط، هناك أسباب كثيرة، منها التعصب لكاتب ما، أو لبلد ما، أو لرقعة جغرافية ما، أو لأسباب سياسية وأيديولوجية، وللتذوق أيضا من قبل المحكمين. هذه آليات منح الجوائز في أي وقت.* علاقة السرد الروائي العربي بالفضاء الرقمي، يا ترى كيف تفاعل الأدباء العرب معه ؟ هل توزعت الرواية فعلا في أنماطها بين رواية فيسبوكية وأخرى تكنولوجية ورواية علاقات الإنترنت وغيرها؟ ما أوجه الجماليات وأوجه الإضافة والتمايز عن الرواية التقليدية المطبوعة؟** طبعا توجد تجارب عدة في الكتابة الرقمية، أي تأليف عمل يعتمد تماما على التكنولوجيا بجميع مؤثراتها لكن هذه التجارب لم تصبح تجارب شاهقة ينظر إليها بإعجاب، أو تجارب يمكن الاعتداد بها. إنها تجذب مجايلي الثورة الرقمية من الشباب بلا شك، لكنها تظل بعيدة عن المتلقي العادي حتى الآن، وأعتقد أن أسلم طريقة هي أن يلتقط الكاتب أجواء من الفضاء الرقمي ومواقع التواصل ويوظفها في أعماله، وقد فعلت ذلك في روايتي طقس، لكنها تظل رواية مكتوبة، فقط استفادت من التكنولوجيا.* .. في ذات السياق يرى الدكتور سعيد يقطين أن التطور المحتمل للرواية يكمن في الانفتاح على الرواية الرقمية، وما يتطلبه ذلك من وعي رقمي، وتطوير للدراسات النقدية ؟ فهل نسلم بالأمر أن الرواية الرقمية تتجه نحو الواقع فعلا؟** كلام الدكتور سعيد يقطين يبدو لي نظريا، هو يتوقع بحكم تسارع التكنولوجيا الرقمية، أن يحدث ذلك، لكن يبدو الأمر صعبا وبعيدا عن الحدوث واقعيا.* عند مناقشته موضوع جدلية أو تراتبية المحلي والإنساني يتشكل فهم خاص لأي كائن لكنه في المقابل يحتاج إلى مقاربات لفض إشكالياته؟ وإن اتفقنا جدلا على إمكانية الاتفاق على مفهوم محدد، فهل يمكن للروائي وضعُ يده على هذين المعطيين على نحو عملي، أو أن ذلك سيظل يمثل إشكالية لا سبيل إلى فضها في مجال الإبداع والإبداع الروائي خاصة؟** ليس هناك لبس في الأمر، فأنا شخصيا مفهومي للمحلي، هو ما تجود به البيئة المحلية، ما يمنح الروائي أساس بناء عمارته في المستقبل، وتعامله الآني، ويبدو لي الإنساني، مسألة كونية تشمل كل ما ابتكره الإنسان وما سعى لابتكاره، في أي مكان في الدنيا.إنسان الغابات هو جزء من الكوني، فقط تقيده الغابات إلى بيئته.* إضافة إلى ما سبق أثيرت تساؤلات عدة من الدكتور صالح هويدي في ذات السياق منها ماهية ما نطلق عليه (المحلي)؛ هل هو المجتمع وعلاقاته التي خبرناها؟ هل هم أناسنا الذين حفظنا ملامحهم وقسماتهم الشخصية؟ هل هي مشكلاتنا وهمومنا وإحباطاتنا المحلية؟ هل هي تابوهاتنا ومخاوفنا وإكراهاتنا وفنون قمعنا ؟ هل هي الشعارات والأيديولوجيات التي يضطر الكتاب في أحايين كثيرة إلى التماهي مع أطرها في بعض أنظمتنا الشمولية؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب عن بعض هذه الأسئلة أو كلها، فهل مجرد سرد تلك الثيمات المحلية يمكن أن يشكل ميزة في الرواية؟ وما قلناه عن المحلي يصدق على الإنساني؛ فما الإنساني يا ترى؟** كل ما ذكر صحيح. نحن وغيرنا، وحتى التحضر الشديد في البيئات الغربية، يعتبر محليا هناك، وكونيا إن لحقنا شيء منه. نحن نكتب ما خبرناه في النهاية، ولا يمكن للخيال أن يساعد بترف إلا لو كان مفعلا منذ الصغر، أي عدم الاستسلام لجمود الفكرة وتخيل ما قبلها وما بعدها. تعريف يدخل في هذا السياق.* هل عرض هذه الثيمات أو وصفُ وقائعها جدير بتحقيق ميزة ما للإبداع الروائي؟** طبعا، يمثل ميزة، خاصة في المجتمعات المغلقة التي تعض على تراثها وآثار جذورها بقوة. هذا كان في الماضي، الآن لا توجد بيئة مغطاة، لا توجد أغطية في الحقيقة، لفردها على أي جهة وادعاء اكتشافها فيما بعد، الإنترنت والاتصالات لم تترك شيئا، وتجد قرويين في أصقاع نائية، يشاركون في كل شيء، داخل الإنترنت، يكتبون المنشورات في فيس بوك، والتغريدات في تويتر أيضا. ربما الفنتازيا ستبدأ من هنا في يوم ما.* هل اقتراح "المحلي والعالمي" يراد منه تساوي قيمة حضورهما في الرواية العربية، ومنحهما إياها فضيلةً ما؟ أو يراد به الإشارة إلى تقابل الطرفين وضرورة الاختيار في ما بينهما وصولًا إلى التميز المرجو؟ أو أن المقصود في مثل هذه الصياغة أمر ثالث هو أن (المحلي) ليس سوى متكأ أو مَركِب من شأنه الوصول بنا إلى شاطئ (الإنساني) الأبعد؟** كل ما ذكرته ممكن، وأنا أرى أن المحلي هو الصنارة التي يعلق بها الكاتب حين يبدأ الكتابة، ولا أعتقد أنه كان يصبو أصلا أو ينظر إلى أبعد مما كتبه، وربما تأتي مصادفة ما، وتحول المحلي إلى كوني، مثل أن تتحول ماكندو- ماركيز من بلدة في الكاريبي إلى بلدة مسؤولة عن كل جماليات الكتابة، لفترة من الزمن.* ماذا تقول حول ما يراه عبد الملك أشهبون من أن هناك ندرة في تسميات الكتابات السردية بهذه التسمية (تخييل ذاتي)، في المشهد السردي العربي، وهذا ما يؤثر سلبا على تداول المصطلح ورواجه، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا بد للكتاب من أن يندرج في سلسلة أدبية معينة، تُشَرْعِنُ وجوده في دائرة الإنتاج الأدبي عامة. ومن الصعب تحقيق ذلك بخصوص مصطلح "التخييل الذاتي" ما دام هذا المصطلح يتداول على نطاق جد محدود في عالمنا العربي ؟** أتفق مع الدكتور عبدالملك، في ما ذكره، وأعتقد أن هذا في النهاية شأن نقدي، لا علاقة للكاتب الإبداعي به. نحن في النهاية نكتب أدبا، يمكن أن يدرج في أي صيغة ويمكن أن يظل أدبا حرا، هكذا أرى المسألة ككاتب.* ترى الدكتورة رزان إبراهيم أن أحوالاً سياسية تتسيدها حروب داخلية هي المسؤول الأول عن أرضية فَرش الروائي عليها شخوصاً بدت عبثية في كثير من الأحيان، وهي الأرضية ذاتها التي يستمد منها نهايات محبطة نشهد فيها تخبطًا مجتمعيًّا مريعًا تغرق فيه شخوص الرواية حين يفقد الواحد منهم كل معنى لوجوده؟ ماذا ترى أنت؟** ينطبق هذا على بعض النصوص لكن ليس كلها بلا شك، هناك نصوص ابتعدت تماما عن هذا وصنعت عوالم فنتازية وأسطورية. هناك نصوص اعتمدت على التاريخ في جلب بعض البهارات للحاضر.. هكذا.* يبدو أن الرواية المعاصرة ظلت كما هو شأنها فيما سبق تتراوح بين نمط يتحصن بالخيال عبر رحلة فوق عقلانية من واقع مجنون إلى واقع آخر ؟ حيث البحث الوجودي عن هوية أصلية يستدعي متخيلاً مخادعاً يتماشى وإحساس البطل بالخذلان من واقعه، ورواية أخرى تعزز تصورًا داخليًّا لدى القارئ بأنها حقيقية بالفعل رغم معرفته بما يحمله هذا الافتراض من تصور خاطئ ؟ ما وجهة نظرك في هذا السياق ؟** أتفق معك، وهذا لا يختص بالرواية العربية وحدها، وإنما كل ما يكتب ويصطلح عليه رواية. التخيل مطلوب لصياغة عوالم موازية، تأخذ من الواقع وتعطيه، وبالطبع لا بد من الاستعانة بشيء من الواقع الأصلي، حتى يبدو العمل ممكنا. لا أعتقد أن هناك من يكتب واقعا صرفا هذه الأيام، فلا حاجة له، لأن القارئ يعيشه ولا يود أن يذكره به أحد.* يا ترى ما الطريقة المثلى والأنجع في اجتراء كثيرين ممن لا يمتلكون ما يكفي من مؤهلات على اقتحام عالم الرواية، هل سيحقق التصدي النقدي فرز السمين من الغث ؟** معك حق، يوجد غزو سردي رهيب بحيث لم يعد بالإمكان العثور على كاتب جيد بسهولة، وسط كل من يكتب، الأمر صعب جدا، ولا أدري لم باب كتابة الرواية فقط يتم طرقه بهذه الكثافة في السنوات الأخيرة؟ أنا أعزو الأمر لسهولة النشر، وإمكان دفع مبلغ لدور النشر التي ملأت الأرض، حاملة راية النشر مدفوع الأجر، وتأتي مسألة الجوائز لتزيد من طموح من يتدافعون في الكتابة السردية، في إمكانية الحصول عليها. بالنسبة للنقد، لا أعتقد أنه سيلعب أي دور، فلم يعد الناقد متحمسا لمطاردة كل ما يصدر، وحقيقة لن يستطيع ذلك.* هل ما زلت تؤكد رأيك في أن المضمون لا يشكل قضية رئيسية للكاتب وترى أيضا أنه رأي استقر عليه كل ناقد وباحث ؟ وترى أن القضية الرئيسية دائما التي تواجه كل كاتب أو فنان هي كيف يجسد هذه الموضوعات في شكل فني .. ؟** نعم، الأفكار واحدة في كل مكان، بمعنى أنها متوفرة للكل وليست حكرا على أحد، ويأتي الأسلوب الكتابي ليفرق بين هذا وذاك. لنقل أنني أردت الكتابة عن حادثة معينة، وكان هناك من حضر الحادثة مثلي، ستجد تباينا ملحوظا في استخدامنا للمفردات والتفاعل مع تلك الحادثة، هذا ما يهمني ككاتب، أن تكون لي بصمة ليست عند غيري، ويكون لغيري بصمة ليست عندي.* واسيني الأعرج طرح عدة أسئلة عرج فيها كما يرى هو ـ وأنا أبحث عن الإجابة كما تراها أنت ـ حول : سؤال الرواية العربية: من يصنع العالمية؟** لا أعرف الإجابة حقيقة، وإن كنت أتخيل أن النصوص المعالجة بفن، والتي تحمل أفكارا جديدة، يمكن أن تصبح عالمية، إن قيض لها أن تنتشر.* كيف صنع النصّ العَربي عالميتَه؟** بما كان يحمله من مجتمع مغطى، كشفه للعالم. كان ذلك قديما، وكما ذكرت، لم يعد ثمة غطاء الآن ليدعي أحد أنه كشف ما تحته، تبدو الأفكار الجديدة هي المتكأ الذي يمكن الاعتماد عليه، وأعتقد أن نصي إيبولا ٧٦، نجح خارجيا بفعل فكرته، وطريقة تحويل المرض إلى كائن يفكر.* هل بعض النجاحات المفاجئة والنصوص التي تدخل دائرة الشهرة هي فعل حقيقي مرتبط ببنيات النص الداخلية وجودة الكتابة وتميزها الاستثنائي؟ أم مرتبط بالنظام الإعلامي وفق شروط أيديولوجية يتحكم فيها راهن اللحظة السياسية، أكثر مما ينصت إلى الإرادات الإبداعية الخلاقة؟** هذا وذاك، بمعنى أن النجاح للجودة وارد، وللنشاط الإعلامي وارد أيضا، ولأن النص أخذ جائزة كبرى، ربما بفعل الحظ، وارد أيضا. شخصيا أتعامل مع النصوص وفق جودتها لا شهرتها.* ختاما .. هل العالمية قدر لا يمكن تفاديه؟** لا يبدو لي السؤال محنكا، فالجملة هذه تستخدم عادة في الأقدار السيئة، الأقدار التي تميت أو تحدث الشلل، ونحن إن صرنا عالميين، فهذه أعراس، سنرقص فيها بلا شك، وسنبتهج.