حَظِيَ التعليم المهني في سلطنة عُمان باهتمام متزايد خلال السنوات الماضية، انسجامًا مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» من خلال بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، وتعزيز جاهزيَّة الموارد البشريَّة الوطنيَّة. وقد انعكس هذا الاهتمام في التوسع المستمر في رفع كفاءة مؤسَّسات التعليم المهني «الكليات المهنيَّة»، وتطوير التخصصات والبرامج المرتبطة باحتياجات سوق العمل، خصوصًا في القطاعات الصناعيَّة واللوجستيَّة والطاقة المتجددة والتقنيَّات الحديثة، حيث تضم منظومة التعليم المهني في سلطنة عُمان ثماني كليَّات مهنيَّة في: السيب، وصحم، وصور، وعبري، وشناص، والبريمي، وصلالة، وتقدِّم هذه المؤسَّسات برامج متنوعة في المجالات الصناعيَّة والتجاريَّة والإداريَّة والهندسيَّة والتقنيَّة والتسويق.
وتشير الإحصائيَّات إلى زيادة في أعداد الملتحقين بالتعليم المهني في سلطنة عُمان؛ إذ ارتفع عدد الطلبة الدارسين في الكليَّات المهنيَّة الحكوميَّة من (3084) طالبًا وطالبة في عام 2017 إلى أكثر من (8253) طالبًا وطالبة في عام 2024، بنسبة نمو تجاوزت (167%) خلال سبع سنوات، وهو مؤشر يعكس تنامي الثقة المُجتمعيَّة بالتعليم المهني وتزايد الإقبال عليه من الجنسين. كما يعكس ارتفاع أعداد الخريجين من الكليَّات المهنيَّة في السنوات الأخيرة نجاح السياسات الوطنيَّة في هذا المجال، حيث احتفلت وزارة العمل في عام 2025 بتخريج (1166) خريجًا وخريجة من ثماني كليَّات مهنيَّة في تخصصات متنوعة، في حين بلغ عدد الخريجين الذين تم الاحتفال بتخرجهم لعام 2026 (1439) خريجًا وخريجة، وهو ما يعكس اتساع قاعدة التأهيل المهني وارتفاع الطاقة الاستيعابيَّة للمؤسَّسات المهنيَّة.
ولعلَّ سرَّ هذا الاهتمام يرجع إلى كون التعليم المهني أحد أهم روافد النمو الاقتصادي؛ لِمَا يوفِّره من كوادر وطنيَّة مؤهلة (ماهرة) قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة، خصوصًا في ظل المشاريع الاقتصاديَّة الكبرى التي تشهدها سلطنة عُمان، في المنطقة الاقتصاديَّة الخاصة بالدقم، والموانئ والمناطق الصناعيَّة، ومشاريع الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستيَّة، والصناعات التحويليَّة، وهي قطاعات تتطلب مهارات تقنيَّة ومهنيَّة متخصصة، الأمر الذي يجعل من التعليم المهني خيارًا استراتيجيًّا لا غنى عنه لتعزيز التنافسيَّة الوطنيَّة، ورفع كفاءة القوى العاملة الوطنيَّة في مواجهة العمالة الوافدة. وأسهمت برامج التوعيَّة المُجتمعيَّة في تغيير الصورة النمطيَّة المرتبطة بالتعليم المهني؛ إذ لم يَعُدْ يُنظر إليه باعتباره خيارًا للطلبة ذوي التحصيل المتدني، بل أصبح مسارًا نوعيًّا مفتوحًا أمام جميع الطلبة وفق ميولهم وقدراتهم واحتياجات سوق العمل. وقد ساعد على ذلك تحسن الفرص الوظيفيَّة لخريجي الكليات المهنيَّة، وارتفاع الطلب عليهم في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات والتقنيَّات الحديثة، إضافة إلى ما توفره هذه التخصصات من فرص لريادة الأعمال، والعمل الحر وإنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة. كما شهد التعليم المهني إقبالًا متزايدًا من الفتيات، خصوصًا في التخصصات التجاريَّة والإداريَّة وتقنيَّة المعلومات والتصميم والخدمات، نتيجة التوسع في البرامج التي تتناسب مع احتياجات المرأة العُمانيَّة وطبيعة التحولات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، الأمر الذي أسهم في تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل وتمكينها اقتصاديًّا.
ويبقى خيار التعليم المهني ركيزة محوريَّة في دعم المُجتمع اقتصاديًّا، في ظل ارتباطه بالبُعد الإنتاجي والتطبيقات العمليَّة في بيئات المصانع وغيرها، وبما يحمله في ثقافة وسلوك الخريج من أبجديَّات الاقتصاد ومفاهيمه، وأدوات بناء المشروع وإدارته، وحسن إدارة موارده الذاتيَّة وخبراته، والتسويق لمهاراته، وترقية سلوك الادخار لديه، وتصحيح المفاهيم التي ما زال يبثها حول مستقبل الأجيال، والشهادة العلميَّة، والمراحل الدراسيَّة، والأفكار التقليديَّة التي يبنيها في المتعلم حول مفهوم التفوق الدراسي وآليَّة اختيار الطالب المُجيد. ويعمل على هندسة الأفكار والعمليَّات التعليميَّة وثقافة التعليم والتعلم عبر تعظيم مسار الورش التطبيقيَّة في الصفوف والقاعات الدراسيَّة والمختبرات ومراكز البحوث، بالشكل الذي يضمن إنتاج مواطن قادر على امتلاك القوة المهاريَّة والفكريَّة، ويعزز من التفاعلات الداخليَّة والدافع الذاتي والحماس وشغف العطاء والإرادة والعزيمة في مخرجاته، وصناعة البدائل التي تتيح له فرص التجريب والبحث والانتقاء والاختيار، لإنتاج مبادرات اقتصاديَّة متجددة تُلبِّي طموحاته وتعكس شغفه، وتتكيف مع احتياجات المُجتمع، وتسهم في التقليل من ردَّات الفعل حول واقعه المعيشي.
ومع التأكيد على ما اتخذته سلطنة عُمان من خطوات متقدمة في تطوير هذا القطاع، من خلال تحديث اللوائح التنظيميَّة للكليات المهنيَّة، وتطوير البنية الأساسيَّة للورش والمختبرات، إلى جانب تعزيز الشراكة الفاعلة مع مؤسَّسات القطاع الخاص في تصميم البرامج التدريبيَّة، وتوفير فرص التدريب العملي والتوظيف المقرون بالعمل، وتَبنِّي نماذج تدريسيَّة معتمدة؛ باعتبارها نظام محاكاة لتدريس المعارف والمهارات ذات الصلة بهذه المواد في المدارس؛ ليتم تطبيقها لاحقًا في شركات ومؤسَّسات قطاعي الأعمال والصناعة؛ إلَّا أن تحقيق الصورة النموذجيَّة للتعليم المهني في واقع الممارسة الميدانيَّة بالمصانع وشركات الإنتاج والخدمات يتطلب مزيدًا من العمل على تطوير جودة البرامج التدريبيَّة، وتعزيز المهارات الناعمة لدى الطلبة؛ باعتبارها عنصرًا أساسيًّا في نجاح المخرجات الوطنيَّة، ذلك أن المصانع وسلاسل الإمداد وبيئات العمل في الشركات لم تَعُدْ تبحث فقط عن العامل الفني القادر على تشغيل الآلات، بل عن شخصيَّة متكاملة تمتلك مهارات التفكير الناقد، وحل المشكلات، والاتصال، والتسويق، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، والقدرة على التكيُّف مع المتغيِّرات المتسارعة في الآليَّات والميكنة وأنظمة التشغيل.
وعليه، فإن نجاح التعليم المهني يرتبط بمدى قدرته على تحقيق المواءمة مع احتياجات الاقتصاد الوطني، ولذلك أصبح من الضروري أن تُبنى البرامج المهنيَّة على دراسات دقيقة لسوق العمل، وأن تشارك الشركات والمؤسَّسات الاقتصاديَّة بصورة مباشرة في تصميم المناهج وتقييم المهارات المطلوبة مستقبلًا. كما أن دمج التدريب العملي داخل بيئات العمل الحقيقيَّة يُعَد من أكثر الفرص الداعمة لبناء قدرات الشباب وتأهيلهم مهنيًّا ورفع نِسَب التوظيف، الأمر الذي يؤكد أهميَّة خلق شراكة حقيقيَّة بين وزارة العمل المشرفة على الكليَّات المهنيَّة والمنظمة لسوق العمل والقطاع الخاص في تنفيذ برامج التدريب والتأهيل، وإشراك خبراء الشركات والمهندسين في تصميم البرامج التدريبيَّة والإشراف عليها، بما يضمن مواءمة المهارات المكتسبة مع متطلبات الوظائف المستقبليَّة. بالإضافة إلى أهميَّة أن تحافظ منظومة التعليم المهني على مرونتها، بحيث تسمح للطلبة بالانتقال بين المسارات المهنيَّة والأكاديميَّة دون عوائق، بحيث لا يكون التعليم المهني مسارًا مغلقًا ينتهي عند حدود التوظيف المباشر، بل ينبغي أن يكون بوابة للتعلم المستمر والتطوير المهني والحصول على مؤهلات أعلى. وقد أتاحت الأنظمة المعمول بها في سلطنة عُمان لخريجي الدبلوم المهني فرص مواصلة الدراسة في الكليَّات التقنيَّة وبعض مؤسَّسات التعليم العالي وفق معايير محددة، وهو توجُّه يعزز من جاذبيَّة هذا النوع من التعليم.
وفي ظل التحولات الرقميَّة والتكنولوجيَّة المتسارعة، أصبح من الضروري أن يشهد التعليم المهني نقلة نوعيَّة في برامجه وتخصصاته، بحيث تواكب مهارات المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بالإضافة إلى الطاقة المتجددة واللوجستيَّات والصناعات التحويليَّة والخدمات، وهي مجالات ستشكل ركيزة أساسيَّة لاقتصادات المستقبل. كما أن تطوير التعليم المهني يتطلب بناء منظومة تقييم حديثة تعتمد على الكفايات والمهارات العمليَّة أكثر من اعتمادها على الاختبارات النظريَّة التقليديَّة، إلى جانب تعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال داخل الكليَّات المهنيَّة، وتشجيع الطلبة على تأسيس مشاريعهم الخاصة، والاستفادة من برامج التمويل والدعم الحكومي للمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، ما يؤكد اليوم أهميَّة خلق بيئة منافسة وداعمة للمخرجات في سبيل ترجمة مسار تعلمهم إلى تطبيقات عمليَّة محاكية للواقع، تبرز في نوعيَّة المشاريع والفرص الرياديَّة التي يمارسونها وهم على مقاعد الدراسة، الأمر الذي يؤكد على أهميَّة تقديم الدعم المنتج والحوافز النوعيَّة للملتحقين والخريجين لضمان اتصالهم بالتخصصات والمهن واحترافهم فيها وقدرتهم على ترك بصمة حضور في مشاريعهم القادمة تعبِّر عن القيمة المضافة المتحققة من التعليم المهني.
أخيرًا، يبقى نجاح التعليم المهني في رسم ملامح التحولات الاقتصاديَّة في سلطنة عُمان مرهونًا بحوكمته، وتوفير التشريعات والأنظمة والممكنات التي ترفع من جودة التعليم المهني، وتعزز صورته المُجتمعيَّة، وترفع مسار الجودة والفاعليَّة في السياسات والبرامج، وربطه بصورة أعمق بالمصانع وريادة الأعمال واقتصاد السوق، وتمكين مخرجاته عبر الإحلال الجاد والمنافسة، وتنظيم السوق من أجل المحافظة على إنتاجيَّتها عبر ضمانات الحماية الاجتماعيَّة، ووقف التسريح، والحد من الاحتكار والتجارة المستترة التي تمارسها العمالة الوافدة. ليتحول التعليم المهني إلى مشروع وطني متكامل للاستثمار في الشباب العُماني، وبناء اقتصاد قائم على المهارة والمعرفة والإنتاج، وصناعة مستقبل أكثر استدامة وإشراقًا للأجيال القادمة.
د.رجب بن علي العويسي