الثلاثاء 09 يونيو 2026 م - 23 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الحماية الاجتماعية العُمانية.. نموذج يحتذى

الحماية الاجتماعية العُمانية.. نموذج يحتذى
الثلاثاء - 09 يونيو 2026 10:25 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

200

الأُمم العظيمة هي تلك التي تدرك أن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به ليس في النفط ولا في البنية الأساسيَّة، ولا في الأرقام المجردة، بل في الإنسان نفسه؛ فالإنسان هو البداية والنهاية، وهو الغاية التي من أجلها تُبنى الدول، وتُرسم السياسات، وتُصاغ الرؤى. وهذا ما أدركته سلطنة عُمان منذ بداية نهضتها المباركة، فوضعت المواطن في مركز اهتماماتها وسياساتها التنمويَّة ليس كهدف فقط، بل كصانع ومشارك في المَسيرة المباركة.

ومن هذا المنطلق، جاءت التجربة العُمانيَّة في إعادة تصميم منظومة الحماية الاجتماعيَّة لتعلن أمام العالم قصة وطن اختار أن يضع الإنسان في قلب مشروعه التنموي، وأن يجعل الكرامة الإنسانيَّة أساسًا للاستقرار والازدهار، لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.. ففي قلب مدينة جنيف حيث تتلاقى الخبرات الدوليَّة، ويصاغ كثير من ملامح المستقبل الاجتماعي والاقتصادي للعالم، دشَّنت سلطنة عُمان ـ بالتعاون مع منظمة العمل الدوليَّة ـ تقرير «إعادة تصميم منظومة الحماية الاجتماعيَّة في سلطنة عُمان».. وهذا الحدث لم يكن مجرد إطلاق تقرير فني أو استعراض لمؤشرات وأرقام، بل شهادة دوليَّة على تجربة إصلاحيَّة متكاملة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تتحول من رؤية وطنيَّة إلى نموذج يحظى بالاحترام والتقدير العالمي وتجربة تستحق التعميم.

إن عُمان أدركت مبكرًا أن التحديات الجديدة التي تواجه المُجتمعات الحديثة لا يمكن التعامل معها بأدوات الماضي.. فالتغيرات الديموغرافيَّة والتحولات الاقتصاديَّة ومتطلبات سوق العمل وتزايد الحاجة إلى العدالة الاجتماعيَّة.. كلها عوامل فرضت ضرورة إعادة التفكير في مفهوم الحماية الاجتماعيَّة ذاته، بحيث يصبح أكثر شمولًا وقدرة على مواكبة المستقبل.. فأطلقت السلطنة رحلة الإصلاح عام2020 والتي بدورها لم تكُنْ سهلة ولا سريعة، لكنها كانت واضحة الأهداف وراسخة الإرادة.. تستند إلى رؤية استراتيجيَّة عميقة تتجاوز الحلول المؤقتة نحو بناء منظومة مستدامة للأجيال الحاليَّة والقادمة.

لقد كان جوهر هذه التجربة أن تتحول الحماية الاجتماعيَّة من مجرد برامج دعم متفرقة إلى منظومة وطنيَّة متكاملة تغطي دورة حياة الإنسان بأكملها.. فمنذ اللحظات الأولى للطفولة مرورًا بمراحل التعليم والعمل والإنتاج، وصولًا إلى الشيخوخة.. ليصبح المواطن محورًا لمنظومة تتبعه بالرعاية والضمان والحماية في مختلف محطات حياته.

ولعلَّ أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التجربة أنها بنيت على أُسس علميَّة دقيقة ودراسات متخصصة ونماذج اقتصاديَّة متقدمة، واستشراف طويل المدى للتحديات والفرص المستقبليَّة.. وهي مقاربة تعكس نضجًا مؤسَّسيًّا وإدراكًا عميقًا بأن الاستدامة ليست شعارًا سياسيًّا، بل عمليَّة علميَّة معقدة تتطلب التخطيط والحكمة والانضباط.

وعندما نتأمل ما تحقق على أرض الواقع ندرك حجم التحول الذي شهدته السلطنة.. فتوحيد أحد عشر صندوقًا تقاعديًّا في صندوق موحد خطوة تاريخيَّة أعادت تشكيل البنية المؤسَّسيَّة للحماية الاجتماعيَّة على أُسس أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.. كما أن إصدار قانون الحماية الاجتماعيَّة مثَّل نقطة تحول مفصليَّة أرست إطارًا تشريعيًّا حديثًا قادرًا على مواكبة المتغيِّرات المستقبليَّة.

غير أن القيمة الحقيقيَّة لهذه المنظومة المتكاملة لا تقاس بالقوانين وحدها، بل بالأثر الذي أحدثته في حياة الناس.. فحين تخدم نحو (3.3) مليون شخص، وتصل خدماتها إلى ما يقارب ثلثي السكان فإننا لا نتحدث عن أرقام جامدة، بل عن ملايين القصص الإنسانيَّة التي تجد في هذه المنظومة سندًا وأمانًا واستقرارًا.. فنحن نتحدث عن طفل تحيطه الرعاية منذ سنواته الأولى.. وعن أُسرة تجد الدعم عندما تضيق بها الظروف.. وعن شخص من ذوي الإعاقة يحصل على حقه في العيش الكريم.. وعن مسنٍّ يشعر أن وطنه لم ينسه بعد عقود من العطاء.. وعن عامل يطمئن إلى أن جهده اليوم هو استثمار آمن في مستقبله ومستقبل أُسرته.. وهذه هي المعاني الحقيقيَّة التي تختبئ خلف الإحصاءات.

اللافت للنظر أن منظمة العمل الدوليَّة وصفت التجربة العُمانيَّة بأنها نموذج متوازن يجمع بين البُعد الإنساني والاستدامة الاقتصاديَّة.. وهذه الإشادة العالميَّة تحمل دلالات عميقة لأن التحدي الأكبر الذي تواجهه أنظمة الحماية الاجتماعيَّة حول العالم يتمثل في إيجاد هذا التوازن الدقيق بين توسيع نطاق الحماية من جهة، وضمان القدرة الماليَّة على الاستمرار من جهة أخرى.. فقد نجحت عُمان في تقديم معادلة تبدو صعبة المنال في كثير من الدول تجمع بين حماية اجتماعيَّة واسعة النطاق دون الإخلال بمتطلبات الاستدامة الماليَّة، وبين عدالة اجتماعيَّة متقدمة دون إعاقة النمو الاقتصادي، وبين ورعاية إنسانيَّة شاملة دون المساس بكفاءة المؤسَّسات.

ولعلَّ ما يمنح هذه التجربة خصوصيَّتها أنها لم تنفصل عن الجذور الثقافيَّة والاجتماعيَّة للمُجتمع العُماني.. فقد انطلقت من إرث عريق من قيم التكافل والتضامن التي شكَّلت عبر التاريخ أحد أهم ملامح الشخصيَّة العُمانيَّة.. ولذلك لم يكن الإصلاح قطيعة مع الماضي، بل تطويرًا عصريًّا لقيم أصيلة متجذرة في وجدان المُجتمع.

إن الأُمم لا تقاس فقط بحجم اقتصادها أو ارتفاع أبراجها أو اتساع طرقها، بل بقدرتها على حماية الفئات الأكثر احتياجًا.. وعلى بناء منظومات تجعل كل فرد يشعر بأن له مكانًا محفوظًا في وطنه، وأن كرامته مصونة في كل مراحل حياته.. وعندما تكتب الأُمم صفحاتها المضيئة في سجل التاريخ فإنها لا تذكر فقط ما أنجزته من مشروعات، بل ما وفرته من حياة كريمة لأبنائها.. وفي هذا المجال تحديدًا تبدو عُمان اليوم وكأنها تكتب فصلًا جديدًا من فصول التنمية الإنسانيَّة.. فصلًا عنوانه: «الإنسان أولًا... والإنسان دائمًا».

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني