تُمثِّل المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة أحد أهمِّ الأدوات التي تعتمد عليها الدول لتعزيز النُّمو الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات النوعيَّة؛ لِمَا توفِّره من بيئة أعمال متكاملة قادرة على جذب رؤوس الأموال والتقنيَّات الحديثة، وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق العالميَّة. ومن هذا المنطلق تواصل المنطقة الاقتصاديَّة الخاصة بالدقم تعزيز مكانتها كواحدة من أبرز المشروعات التنمويَّة في سلطنة عُمان، حيث تعكس الاتفاقيَّات الاستثماريَّة ومذكرات التعاون التي تم توقيعها بقيمة (2.9) مليار ريال عُماني نجاح الجهود الوطنيَّة الرامية إلى بناء مركز اقتصادي متكامل يدعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وتؤكد الاستثمارات حجم الثقة التي تحظى بها الدقم لدى المستثمرين المحليين والعالميين. كما تعكس قدرة السلطنة على توفير بيئة استثماريَّة تنافسيَّة تستند إلى بنية أساسيَّة متطورة، وموقع استراتيجي يربط بين أهم خطوط التجارة الدوليَّة.
وتكتسب تلك الاتفاقيَّات أهميَّة خاصَّة من طبيعة القطاعات التي تستهدفها، حيث يظهر مشروع الهيدروجين الأخضر، باستثمارات تبلغ (1.6) مليار ريال عُماني؛ بوصفه أحد أكبر المشروعات المرتبطة باقتصاد المستقبل، إلى جانب مشروع إنتاج مواد الأنود المستخدمة في بطاريَّات السيَّارات الكهربائيَّة، ومشروع محطَّة الكهرباء الجديدة بقدرة إنتاجيَّة تصل إلى (890) ميجاواط. حيث تعكس هذه المشروعات توجهًا واضحًا نحو استقطاب الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة والتقنيَّات المتقدمة، بما يعزز حضور سلطنة عُمان في القطاعات الاقتصاديَّة التي تشهد نموًّا متسارعًا على المستوى العالمي. كما تسهم في توسيع القاعدة الإنتاجيَّة الوطنيَّة، وفتح مجالات جديدة للاستثمار والتشغيل، ونقل المعرفة والخبرات الصناعيَّة الحديثة.
ولعلَّ أهم الأدوار التي تؤديها الدقم هو دورها المتنامي كمركز صناعي ولوجستي متكامل، حيث تشمل المشروعات الجديدة صناعات كيميائيَّة، وهياكل حديديَّة، ومنتجات خرسانيَّة جاهزة، إضافة إلى مشروع محطَّة فصل ومعالجة سوائل الغاز الطبيعي الذي يدعم تطوير الصناعات البتروكيماويَّة، ويوفِّر المواد الأوَّليَّة اللازمة للصناعات التحويليَّة ذات القيمة المضافة. كما يُشكِّل إنشاء مجمع صناعي متكامل على مساحة مليون متر مربع خطوةً مهمَّة نحو استقطاب المزيد من الصناعات والمشروعات الناشئة، بما يوضح التكامل بين الأنشطة الاقتصاديَّة المختلفة. وتدعم هذه المشروعات دور ميناء الدقم في خدمة الأسواق الإقليميَّة والعالميَّة، وتعزيز موقع السلطنة الجغرافي في سلاسل الإمداد والتجارة الدوليَّة.
إنَّ التنوع الكبير في المشروعات والجنسيَّات المستثمرة يبيِّن نجاح الدقم في التحول إلى بيئة اقتصاديَّة متكاملة تجمع بين الصناعة والطاقة والخدمات والسياحة والإسكان ضمن منظومة تنمويَّة واحدة. فالمشروعات الجديدة تشمل استثمارات من عدد من الدول الصناعيَّة الكبرى، كما تضم مدينة سكنيَّة متكاملة تحتوي على (500) وحدة سكنيَّة ومشروعًا سياحيًّا وتجاريًّا يستهدف استقطاب مئات الشركات والعلامات التجاريَّة. وتؤكد هذه المؤشرات أن الدقم تجاوزت مرحلة المشروع الواعد إلى مرحلة المركز الاقتصادي القادر على جذب الاستثمارات النوعيَّة، وخلق فرص العمل، وتعزيز القيمة المحليَّة المضافة، بما يدعم مسيرة التنويع الاقتصادي، ويعزز قدرة الاقتصاد العُماني على تحقيق نمو مستدام خلال السنوات المقبلة.