علَّمتني ثلاثة عقودٍ من الكتابة في هذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن) كيف أُكيِّفُ نفسي على كبح جماح قلمي عند الفرح والغضب، في فترة لم يكُن فيها (الكيبورد) حاضرًا ليخفف من معاناة إعادة الصياغة والمسوّدات، وإرسال المقالات عبر الفاكس، والاتصال بهواتف الشارع و(البيجر) للتأكد من وصول المقال للمختصين.
حين لم يكُن هناك إنترنت وبريد إلكتروني ومقالات إلكترونيَّة، حين لم يكُن في هذا الوطن العزيز، سلطنة عُمان، مَن يكتب في المجال السياسي والعلاقات الدوليَّة والشؤون الأمنيَّة سوى قلة قليلة من أبناء هذا الوطن العزيز تُعَد على أصابع اليد الواحدة فقط، حينها كنَّا ـ ولا نزال ـ الروَّاد لأدب سياسي سخَّرناه من خلال أقلامنا للدفاع عن قضايا أُمَّتنا الإسلاميَّة وقلبها العربي النابض، بكل ضمير حي وقلب صادق وإخلاص نابع من صفاء السريرة.
وُلدت أقلامنا في ساحة الولاء لقياداتنا والوفاء لوطننا، سلطنة عُمان، فمارسنا الكتابة عبر إيماننا بما تعلمناه منها، ومن فكرها وأدبها وتوجُّهاتها السياسيَّة. فإن سألت عن المؤسّس لأقلامنا السياسيَّة فسأقول: (قابوسيون) حتى النخاع، وإن سألت عن امتدادنا الفكري فسأجيب: من مدرسة السُّلطان هيثم حتى الرمق الأخير.
تعلَّمنا ألَّا نصمت إلَّا إن وجدنا أن الصمت سِمة، والسكوت وعي لا خوف، واعتزال الفوضى واجب ومسؤوليَّة. تعلمنا أن حُب الوطن والولاء للقيادة ليس مصلحة، بل أثر ونتيجة انبثقت عن قواعد شرعيَّة وأخلاقيَّة، فكتبنا ما أملاه علينا ذلك الحُب والولاء، وصمتنا لذات الأمر؛ فالصَّمت أحيانًا أبلغ من الصوت.
اليوم، وبعد (30) عامًا، من الملاحظ، وأتصور أنه أمر طبيعي كباقي الأشياء والأحداث والأشخاص في حياتنا، أن كثيرًا منها تغيّر، فتغيرت معها الساحة الثقافيَّة، سواء على مستوى المادة الأدبيَّة أو حتى على مستوى الأدباء والكتَّاب أنفسهم. على أن أسوأ ما يمكن أن نعايشه اليوم هو فقدان الكثير من الشرف والمروءة والأدب في الكتابة والثقافة؛ فقد تحولت الأقلام (ولا نعمم) إلى أدوات مأجورة، وأصبح شرف الكتابة ومروءتها أشبه بفقدان الشجاعة في الحرب المعاصرة، حيث لا يحتاج القتل والتدمير إلَّا لبعض الأزرار، أمَّا قديمًا فكان الفارس المحارب يمتطي صهوة جواده ويواجه أعداءه وجهًا لوجه، فكانت الشجاعة قيمة، والشرف مبدأ.
اليوم خرجت علينا مئات الأقلام على مواقع التواصل الاجتماعي بلا وجه ولا بطاقة هُويَّة، وخرجت علينا العديد من الشخصيَّات التي تدَّعي الانتماء إلى الصحافة والإعلام المعاصر (وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني)، ولكنها ـ للأسف الشديد ـ فاقدة لأبسط قيم الأدب والشرف والمروءة الإعلاميَّة والأدبيَّة (ولا نعمم للمرة الثانية). فنجدها تفجر في الخصومة، مثيرة للفتن والنعرات، ومنحطة في الذوق العام، وقد حرفت الحقائق وضلَّلت الرأي العام، وتحولت إلى معاول هدم للقيم والمبادئ، وحتى فيما يطلق عليه الولاء الوطني.
ختامًا: هي رسالة لكل الشرفاء الأحرار من أبناء هذا الوطن العزيز، ممَّن قدر الله لهم حمل أمانة القلم، أو الكتابة عبر (لوحة الكيبورد)، أو الظهور عبر أي وسيلة من وسائل الإعلام التقليدي أو المعاصر حبًّا وولاءً، أو دفاعًا عن مبدأ أو قضيَّة وطنيَّة. أقول: إنكم تُمثِّلون وطنًا ومحسوبون عليه، وتُمثِّلون تاريخًا من القيم والأخلاق والمبادئ الفاضلة، وإنكم تلاميذ المدرسة القابوسيَّة وامتدادها القيادي عبر مدرسة السُّلطان هيثم (أعزَّه الله).
عليه، فلتكن أقلامكم بقدر حمل هذه الأمانة، وبقدر هذه القامات والقيادات والتاريخ العريق، وبقدر هذا الوطن العزيز وقيادته الرشيدة؛ فأنتم تُمثِّلونه ومحسوبون عليه مهما قيل إنكم تُمثِّلون أنفسكم. والحذر من الانجراف بعيدًا عن القيم والثوابت الوطنيَّة بكتاباتكم وموادكم الإعلاميَّة والأدبيَّة، ولْتكُن كلماتكم المكتوبة والمسموعة ـ حتى في أشد المواقف قسوة وفوضى أو انحرافًا قيميًّا أو أخلاقيًّا في مواجهة الآخر ـ أرفع وأسمى ممَّن يخاطبكم بجهل أو جهالة، ولْتكُن قوَّتكم في ردودكم الأدبيَّة عبر انتقاء ألفاظكم ومعانيكم وثوابتكم الوطنيَّة وقيمكم الأخلاقيَّة.
حفظ الله سلطنة عُمان، الوطن العزيز، من كل سوء، وجنَّبه شر الحاقد الكائد الفاسد الحاسد، وقيض لقائده ومجدد نهضته، حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق (أعزَّه الله)، البطانة الصالحة التي تُعِينه على أمر دِينه ودنياه وخدمة وطنه. اللهم آمين.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @