الأحد 24 مايو 2026 م - 7 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : عشق الأماكن.. ضلكوت نموذجا

نبض المجتمع : عشق الأماكن.. ضلكوت نموذجا
الأحد - 24 مايو 2026 10:23 ص

د. خصيب بن عبدالله القريني

10

نزور الأماكن ونعشقها ليس عبثًا، ولكن هنالك رابط ما يجعل هذه المدينة أكثر تفضيلًا من غيرها، والأمر لا يرتبط بالمدينة فقط، بل قد يكون مَعلمًا معيَّنًا هو مَن يجذبك لها، وهذا المَعلم له رابط تاريخي أو أدبي أو شخصي أو فني أو كروي يجعله أيقونة تسعى لزيارتها مهما كلف الأمر. أتذكر زيارتنا إلى رومانيا، تلك الدولة الأوروبيَّة الجميلة، ورغم أن العاصمة بوخارست، إلَّا أنها لم تجذبنا للبقاء فيها؛ فقد كان هنالك نداء خفي يدعونا لزيارة منطقة أخرى في هذه الدولة، وهي منطقة براشوف. ولكن براشوف وحدها ليست مميزة لدينا، بل المميز تاريخيًّا وروائيًّا هو قلعة دراكولا والرواية الشهيرة حولها، ورغبتنا الجامحة في الوصول لها ومشاهدة معالمها وما ذُكر من كواليس الحياة في هذه القلعة الشهيرة والمعروفة لدى الجميع. إن الحماس والرغبة اللذين كانا يتملكاننا لزيارة هذا المَعلم هما، في الواقع، انعكاس لمدى رغبتنا الجامحة النابعة من قراءتنا ومشاهدتنا لحلقات هذه الرواية التي تحولت إلى أفلام عالميَّة؛ فتملكنا ذلك الشعور، وجعلنا أسرى له. والأمثلة كثيرة ومتنوعة؛ فبيت شعر حفظناه ونحن صغار يصف أهميَّة وحدة العرب ويذكر فيه مدينة تطوان المغربيَّة، كان كفيلًا لنا ونحن نزور المغرب في إحدى السنوات أن نشد الرحال إلى هذه المدينة الصغيرة، رغم أنها لم تكن في خط رحلتنا، ونزور سوقها ومدينتها القديمة، ونتمشى في شوارعها فقط لارتباطها الوجداني ببيت شعر حفظناه ونحن في المرحلة الابتدائيَّة من دراستنا.

فإذا كان بيت شعر ورواية يحركان فيك الرغبة لزيارة مدينة أو دولة بأكملها، فما بالك إذا كان هنالك شخص عزيز يعيش في تلك المدينة؟ لا شك أن الانجذاب لها سيكون أكثر حضورًا وأكثر رغبة من أي شيء آخر. ننتقل هنا لنحلق في جنوب سلطنة عُمان، وبشكل خاص في ولاية ضلكوت؛ فقد شاءت الأقدار أن يتم تعيين ابنتي مُعلمة في هذه الولاية العريقة الضاربة بجذورها وتضاريسها في عمق التاريخ والجغرافيا معًا. إن ذكرها في السابق كان مجرد ذكر ولاية عاديَّة لا تمتُّ لي بصلة، سوى أنها إحدى ولايات محافظة ظفار التي نزورها في موسم الخريف للاستمتاع بأجوائه لا أكثر ولا أقل، بل ويصعب الوصول لها في كثير من الأحيان لكثافة الضباب في هذه الولاية دون غيرها، لكن الأمر اختلف كثيرًا بعد هذه التجربة؛ فأصبحت ضلكوت بالنسبة لي شيئًا مختلفًا، أتتبع أخبارها ومناشطها وفعاليَّات مواسمها، وأضع الكثير من الفيديوهات التي تبرز جماليَّاتها في حالات وسائط التواصل الاجتماعي. والواقع أن ضلكوت مدينة رائعة ليست بحاجة إلى مديح مني؛ فهي كنز طبيعي خلاب تكسوه الجبال الخضراء ويعانقه بحر العرب، لكن الارتباط بالمكان والنظر إليه من زاوية المُحب يحتاج دائمًا إلى رابط وجداني يحرك المشاعر لهذه المدينة دون غيرها. وتظل في النهاية ضلكوت لها طعمها الخاص؛ لارتباطها الخاص أيضًا. وتحيَّة خاصة لمن كان لنا نعم المثل ونعم الرجل في حُبنا لضلكوت، الأستاذ محمد باكريت؛ فله مني خالص التقدير والاحترام.

إن قدرتنا، كأشخاص، على التعاطي العاطفي مع الأماكن وربطها بجوانب شخصيَّة هي أحد المجالات التي يجب العمل عليها لدى القائمين على السياحة، وخصوصًا في سلطنة عُمان؛ ذلك أنها المحرك الأساس الذي ينطلق منه قطاع السياحة العالمي. وقد أدَّت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا فعالًا في هذا الأمر، وأوجدت أكثر من مجرد بيت شعر أو رواية أو حتى تجربة شخصيَّة لجذب السواح لزيارة العديد من هذه المدن والمعالم. فيكفي أن تقول بأن الساعة الفلكيَّة الموجودة في براغ، عاصمة جمهوريَّة التشيك، هي أقدم ساعة تعمل حتى الآن؛ فهو في النهاية ارتباط وجداني ومعرفي يجعل الجميع يتسابق ليقف مشدوهًا انتظارًا لدقات تلك الساعة، وعينه على ما سيخرج منها أثناء دقاتها كل ساعة.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]