الأحد 24 مايو 2026 م - 7 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الطريق إلى اقتصاد صناعي أكثر قوة

الأحد - 24 مايو 2026 03:21 م

رأي الوطن

20

تشهد الاقتصادات الحديثة سباقًا متسارعًا نحو بناء سلاسل إمداد أكثر استقرارًا ومرونة، بعدما كشفت الأزمات العالميَّة الأخيرة حجم المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على الاستيراد والأسواق الخارجيَّة؛ حيث أصبحت القدرة على التصنيع المحلِّي وتأمين المكوِّنات الصناعيَّة أحد أهم معايير القوة الاقتصاديَّة والتنافسيَّة بين الدول، وهو ما يمنح المبادرات الصناعيَّة التي تستهدف توطين الصناعات أهميَّة استراتيجيَّة ترتبط بالأمن الاقتصادي والاستدامة ورفع كفاءة الإنتاج الوطني. ومن هذا المنطلق تأتي مبادرة (وطِّنها مع فولتامب) باعتبارها نموذجًا عمليًّا يعكس توجُّهًا عُمانيًّا واضحًا نحو بناء قاعدة صناعيَّة قادرة على دعم قطاع الطاقة والصناعات الكهربائيَّة، عبر توطين سلاسل الإمداد ونقل التكنولوجيا الصناعيَّة إلى الداخل العُماني، بما يفتح المجال أمام خلق منظومة إنتاج متكاملة تمتلك قدرة أكبر على تلبية احتياجات السوق المحلِّي والتوسُّع نحو الأسواق الإقليميَّة، خصوصًا مع تنامي الطلب العالمي على الصناعات المرتبطة بالطاقة والتحول نحو الاقتصاد الأخضر والتقنيَّات الحديثة.

إنَّ أهميَّة المبادرة تتجاوز فكرة إنشاء مصانع جديدة أو توفير مكوِّنات صناعيَّة محليَّة؛ لأنها تعكس تحولًا اقتصاديًّا يرتبط ببناء قيمة مضافة حقيقيَّة داخل الاقتصاد الوطني، وذلك عبر تحويل جزء كبير من الإنفاق الصناعي إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل داخل البلاد، وهو ما يمنح القطاع الصناعي دورًا أكثر تأثيرًا في دعم النمو الاقتصادي وتحفيز القطاعات المرتبطة به. كما أنَّ توطين تصنيع عشرة مكوِّنات رئيسة عالية الطلب داخل منظومة أعمال شركة «فولتامب» يفتح المجال أمام تقليل الاعتماد على الاستيراد ورفع مرونة الإمدادات الصناعيَّة على المدى الطويل، خصوصًا مع توفير اتفاقيَّات شراء مسبقة تمنح المستثمرين وروَّاد الأعمال قدرًا أكبر من الاستقرار والثقة في جدوى هذه المشاريع. ويتجاوز أثر هذه الخطوة حدود الصناعة نفسها ليصل إلى دعم قطاع الخدمات اللوجستيَّة والتخزين والنقل والتقنيَّات المرتبطة بالإنتاج، بما يعزز من تكامل الاقتصاد الوطني ويرفع قدرته على خلق فرص اقتصاديَّة متنوعة ومستدامة.

ولعلَّ أكثر ما يمنح المبادرة قيمة اقتصاديَّة أعمق هو ارتباطها المباشر بالمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة وروَّاد الأعمال؛ حيث تفتح أمامهم طريقًا مختلفًا للدخول إلى القطاع الصناعي عبر شراكات حقيقيَّة قائمة على الإنتاج والتصنيع ونقل المعرفة التقنيَّة، وهو ما يرفع من قدرة هذه المؤسَّسات على التحول من أنشطة تجاريَّة محدودة إلى كيانات صناعيَّة تمتلك دورًا مباشرًا داخل سلاسل التوريد الوطنيَّة والإقليميَّة. كما أنَّ توفير الدعم الفنِّي والإرشاد الصناعي، وربط المستثمرين المحلِّيين بمصنِّعين عالميين يمنح السوق العُماني فرصة لبناء خبرات صناعيَّة متراكمة قادرة على مواكبة التطورات التكنولوجيَّة الحديثة، خصوصًا في قطاع الصناعات الكهربائيَّة والطاقة الذي يشهد نموًّا عالميًّا متسارعًا. ويمنح هذا التوجُّه الاقتصاد العُماني فرصة لتعزيز المحتوى المحلِّي بصورة عمليَّة ترتبط بالإنتاج والمعرفة وفرص العمل، بما يرفع من قدرة السوق المحلِّي على الاحتفاظ بالقيمة الاقتصاديَّة داخل الدورة الماليَّة الوطنيَّة بدل خروجها إلى الأسواق الخارجيَّة عبر الاستيراد المستمر.

إنَّ التحولات الاقتصاديَّة الكبرى تبدأ غالبًا من بناء الصناعات القادرة على خلق منظومات إنتاج مترابطة تمتدُّ آثارها إلى مختلف القطاعات الاقتصاديَّة، وهو ما يجعل مبادرات توطين سلاسل الإمداد واحدة من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول لبناء اقتصادات أكثر قوة واستدامة وقدرة على التعامل مع المتغيرات العالميَّة. وتكشف الأرقام المرتبطة بمبادرة (وطِّنها مع فولتامب) حجم الطموح الاقتصادي الكامن خلفها، سواء من خلال استهداف إنشاء عشرة مصانع محليَّة باستثمارات تصل إلى نحو خمسين مليون ريال عُماني، أو عبر تحقيق قيمة محليَّة مضافة تتراوح بين ثلاثين وأربعين مليون ريال عُماني، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة، وتحفيز الاستثمار الصناعي طويل المدى. كما تعكس هذه الخطوات إدراكًا متزايدًا لأهميَّة تحويل سلطنة عُمان إلى مركز إقليمي للصناعات الكهربائيَّة وحلول الطاقة، عبر بناء بيئة صناعيَّة قادرة على جذب التكنولوجيا والاستثمار والخبرات، وصناعة اقتصاد أكثر اعتمادًا على الإنتاج والمعرفة والقيمة المضافة.