أدهم العـمري: الأيام العشر ذكر لله وفيها ركنُ الحـجِّ الأعظمُ
أجرى الحوار ـ مبارك بن عبدالله العامري:
تضيء في هذه الأيام الأنوار والنفحات الربانية ونحن نعيش أعظم وأفضل أيام الدنيا جميعًا.. إنها الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة العظيم.. فعلينا الانطلاق بالتوبة الصادقة وإخلاص النية والخلوة مع النفس ومحاسبتها للتقرب إلى الرحمن الرحيم ومعالجة قسوة القلب وتطهيره من جميع الذنوب والمعاصي وفتح صفحة بيضاء نقية مع الله لتصحيح مسار حياتنا ليكن هدفنا التقرب منه والإكثار من الأعمال الصالحة.
وقد كان لنا هذا اللقاء مع أدهم بن حـمد العـمري الواعظ الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بولاية السيب.. ليحدثنا عن أفضل أيام الدهر لما فيها الكثير من الفضائل والنفحات والعطايا والرحمة والفضل والمغفرة للمسلم.
العشر الأوائل من ذي الحجة من أفضل أيام الدنيا.. نرجو أن توضح للقارئ فضائل هذه الأيام المباركة؟
إن اللهُ يخلقُ ما يشاءُ ويختارُ، فكما اختارَ شهرَ رمضانَ ليكونَ سيدَ الشهورِ، واختارَ ليلةَ القدرِ لتكونَ خيرَ الليالي، واختارَ نبينا محمداً ليكونَ سيدَ الأنبياءِ، واختارَ القرنَ الذي عاشَ فيهِ سيدُنا محمدٌ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ـ خيرَ القُرونِ، فقد اختارَ ربُّنا ـ تباركَ وتعالى ـ العشرَ الأولى مِن ذي الحجةِ لتكونَ خيرَ الأيامِ عندَ اللهِ تعالى، وجعلَ ربُّنا هذهِ العشرَ الأولى في شهرٍ مِن الأشهرِ الحُرُمِ المُعظمةِ عندهُ، وهو شهرُ ذي الحجةِ ، قال اللهُ ـ تعالى :(إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثنَا عَشَرَ شَهرا فِی كِتَـابِ ٱللَّهِ یَومَ خَلَقَ ٱلسَّمَـاوَ اتِ وَٱلأَرضَ مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُم ذَ لِكَ ٱلدِّینُ ٱلقَیِّمُ فَلَا تَظلِمُوا فِیهِنَّ أَنفُسَكُم..) ولها مكانةٌ عظيمةٌ عندَ ربِّـنا ـ جلَّ وعلا ـ ويدلُّ على ذلكَ أنَّـهُ ـ سبحانهُ وتعالى ـ أقسمَ بها في قولِهِ:(وَلَیَالٍ عَشر)، والعظيمُ ـ سبحانهُ وتعالى ـ لا يُقسِمُ إلَّا بعظيمٍ، والعشرُ الأولى قد تجتمعُ فيها أمهاتُ العباداتِ ولا تجتمعُ في غيرِها، مثل: الصلاة والصيام والحج والصدقة وربما الزكاة.. وغيرها، حيث إن العشرُ الأولى هي خيرُ أيامِ الدنيا، وهي الأيامُ المعلوماتُ التي ذكرها ربُّنا ـ عَزَّ وجلَّ ـ في قوله:(لِّیَشهَدُوا مَنَـافِعَ لَهُم وَیَذكُرُوا ٱسمَ ٱللَّهِ فِی أَیَّام مَّعلُومَـاتٍ..)، والعشرُ الأولى هي أيامُ ذِكرٍ للهِ في هذهِ الأيامِ المعلوماتِ، وفيها خيرُ يومٍ مِن أيامِ الدنيا وهو يومُ عَـرَفَـةَ، فيها أعظمُ يومٍ وهو يومُ النحـرِ، لقولِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:(إنَّ أعظمَ الأيامِ عندَ اللهِ ـ تباركَ وتعالى ـ يومُ النحـرِ ثم يومُ القَـرِّ ـ اليوم الحادي عشر)، وفيها الحجُّ الأكـبرُ وأداءُ المناسكِ العِظامِ، وتُـراقُ الدماءُ لِفاطِرِ الأرضِ والسماءِ، والحجُّ رُكـنٌ مِن أركانِ الإسلامِ الخمسةِ التي يقومُ عليها هذا الدينُ العظيمُ، بل هو الركنُ الوحيدُ الذي يُـعَـدُّ مِن العباداتِ الماليةِ والبدنيةِ، ومِن فضلِ اللهِ وكَـرَمِـهِ ـ سبحانهُ وتعالى ـ أنْ فَـتحَ البابَ لِخَـلـقِـهِ لِعَـمَـلِ الصالحاتِ دُونَ تقـيـيدٍ بِعـملٍ واحِـدٍ أو عـملَينِ، وهذا مِصداقاً لقولِ النبيِّ المصطفى ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ:(ما مِن أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحب إلى اللهِ مِن هذهِ الأيامِ، قالوا: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال:( ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلَّا رَجُـلٌ خـرجَ بنفسهِ ومالهِ ثم لم يرجع مِن ذلكَ بشيءٍ).
ما الأعمال التي يجب أن يؤديها المسلم خلال هذه الأيام العظيمة حتى تأتي ثمارها في الدنيا والأخرة؟
هناك كثير من الأعمالِ التي ينبغي أن يستثمرَ فيها المسلمُ هذهِ الأيامَ العظيماتِ المعلوماتِ، منها التوبةُ النصوحُ، وهي أولُ ما تُستقبلُ بهِ العَشرُ الأولى مِن الشهرِ الحرامِ، وتجديدُ النيةِ والإخلاصُ للهِ، والصلاةُ الخاشعةُ:(قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ، ٱلَّذِینَ هُم فِی صَلَاتِهِم خَـاشِعُونَ)، والصومُ ـ وخصوصًا في يومِ عرفةَ:(ما مِن عَبدٍ يصومُ يومًا في سبيلِ اللهِ إلا باعدَ اللهُ عنهُ بذلكَ اليوم نارَ جهنم سبعينَ خريفًا)، والصدقةُ:(وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقنَاكُم مِّن قَبلِ أَن یَأتِیَ أَحَدَكُمُ ٱلمَوتُ فَیَقُولَ رَبِّ لَولَا أَخَّرتَنِی إِلَى أَجَل قَرِیب فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـاِلحِینَ)، وإصلاحُ ذاتِ البَـيـنِ:(یَسألونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَینِكُم وَأَطِیعُوا ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤمِنِینَ)، والعـفـو:(وَجَزَاْءُ سَیِّئَة سَیِّئَة مِّثلُهَا فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـالِمِينَ)، وصِلَـةُ الرحـم:(وَٱلَّذِینَ یَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن یُوصَلَ وَیَخشَونَ رَبَّهُم وَیَخَافُونَ سُوءَ ٱلحِسَابِ)، وتعـهُّـدُ القـرآنِ الكـريمِ:(إِنَّ ٱلَّذِینَ یَتلُونَ كِتَـابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا ٱلصَّلَوةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقنَـهُم سِرّا وَعَلَانِیَة یَرجُونَ تِجَـارَة لَّن تَبُورَ)، وكـثرةُ ذِكـرِ اللهِ والتكبيرِ للهِ الكبيرِ:(..وَٱلذَّاكِرِینَ ٱللَّهَ كَثِیرا وَٱلذَّ اكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغفِرَة وَأَجرًا عَظِیما)، وكـثرةُ الدعاءِ مِن خَـيرِ الدارينِ ـ وخصوصًا في يوم عرفة:(وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدعُونِی أَستَجِب لَكُم إِنَّ ٱلَّذِینَ یَستَكبِرُونَ عَن عِبَادَتِی سَیَدخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِینَ)، والدعوةُ إلى اللهِ تعالى:(وَمَن أَحسَنُ قَولا مِّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـالِحا وَقَالَ إِنَّنِی مِنَ ٱلمُسلِمِینَ)، والجهادُ في سبيلِ اللهِ ـ بالمالِ والنفسِ:(ٱنفِرُوا خِفَافا وَثِقَالا وَجَـهِدُوا بِأَموَ الِكُم وَأَنفُسِكُم فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ذَ الِكُم خَیر لَّكُم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ)، وزِيارةُ المـقـابـرِ:(كُـنتُ قد نهيتُكُم عن زيارةِ القُـبورِ ألا فزوروها فإنها تُـذكِّـرُ الآخِـرَةَ)، وعِـيادةُ المـرضى:(إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يَومَ القيامةِ: يا ابنَ آدَمَ، مَرِضتُ فلَم تَعُدْني، قال: يا رَبِّ، كيفَ أعودُك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟! قال: أما عَلِمتَ أنَّ عَبدي فُلانًا مَرِضَ فلَم تَعُدْه؟ أما عَلِمتَ أنَّك لو عُدتَه لَوجَدتَني عِندَه؟)، وتشيـيعُ الجـنائِـزِ:(مَن شَهِدَ الجَنازةَ حتّى يُصَلِّيَ فلَه قيراطٌ، ومَن شَهِدَ حتّى تُدفَنَ كان له قيراطانِ، قيلَ: وما القيراطانِ؟ قال: مِثلُ الجَبَلَينِ العَظيمَينِ)، وحضور مجالس العلم:(ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ يتلون كتابَ اللهِ ويتدارسونه بينهم إلا غشيتُهم الرحمةُ وتنزلت عليهم السكينةُ وحفتهم الملائكةُ وذكرهم اللهُ فيمن عنده)، والتبسمُ في وُجُـوهِ المسلمينَ:(تبسمك في وجهِ أخيكَ صَدقةٌ)، والتداخُـلُ معَ الجِـيرانِ:(ما زالَ جِبريلُ يُوصيني بالجارِ حتّى ظنَنْتُ أنَّه سيُورِّثُه)، وخِـدمـةُ المسلمينَ وقـضاءُ حَـوائِـجِـهِم:(المُسلِمُ أخو المُسلِمِ، لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه، ومَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجَتِه) وَكُـلُّ عَـمَـلٍ صالِـحٍ ونافِـعٍ ومُـفـيدٍ.
من أعظم وأفضل الأيام العشر الأوائل من ذو الحجة (يوم عرفة).. نرجو أن تلقي الضوء عن هذا اليوم العظيم؟
وهذه العـشرُ الأولى العظيماتُ المقدساتُ مِن الشهرِ الحرامِ بينها جوهرةٌ ثمينةٌ لا تُـقَـدرُ بِـثـمَـنٍ ولن تجدَ مِثلها طول الزمنِ، ألا وهي يوم عرفة، فحق لِمَـن عـرفـهُ أن يؤدي حَـقَّـهُ ولا يُـقـصِّر فيهِ طرفَـة عـينٍ، فإنما هو ثـوانٍ فلا تكن عنه مُـتَـوَانٍ، وكلُّ دقيقةٍ لحظةٌ رقيقةٌ لا تتحملُ التفريطَ أو التقصيرَ، فالوقتُ قصيرٌ واللهُ بِعبادهِ خَـبـيرٌ بَصـيرٌ، فيومُ عرفةَ خيرُ يومٍ مِن أيامِ الدنيا فهو (خيرُ يومٍ طلعت فيهِ الشمسُ)، وهو يومُ الخذلان على الشيطانِ، كما قال النبيُّ المصطفى والحبيبُ المُجتبى ـ صلواتُ ربي وسلامهُ عليهِ:(ما رُؤيَ الشيطانُ يومًا هو فيهِ أصغرَ ولا أدحرَ ولا أحقرَ ولا أغيظَ منهُ يوم عَـرَفَـة، وما ذلكَ إلاّ لِما يَرى مِن تَـنَـزُّلِ الرحمةِ وتجاوُزِ اللهِ ـ تعالى ـ عن الذُّنوبِ العِظامِ، إلَّا ما كانَ مِن يومِ بـدرٍ، قيل: وما رأى مِن يومِ بَدرٍ؟ فقال النبيُّ ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: إنهُ رأى جِبريلَ وهو يَزَعُ الملائكةَ)، وهـو يومُ الدعاء، لقولِ الرسولِ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:(أفضلُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة)، وهو يومُ الذكرِ للهِ تعالى:(.. وأفضلُ ما قلتُ أنا والنبيونَ مِن قبلي: لا إلهَ إلّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ)، وهـو يومُ العِـتقِ مِن النارِ، لِقـولِ النبيِّ الأكـرمِ ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ:(ما مِن يومٍ أكـثر أن يَعـتقَ اللهُ فيهِ عبيدًا مِن النارِ مِن يومِ عَـرَفَةَ )، وهـو يومُ اكتمالِ الدينِ وإتمامِ النـعـمَـةِ ورِضى اللهِ عن المسلمين، ففيها نزلَ قَولُ اللهِ تعالى:(.. ٱلیَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِینَكُم وَأَتمَمتُ عَلَیكُم نِعمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلإِسلَامَ دِینا..)، وفيه ركنُ الحـجِّ الأعظمُ وهو الوقوفُ بِـعَـرَفَـةَ، لقول النبيِّ الأعظمِ ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ:(الحَـجُّ عَـرَفَـةُ)، وصيامُ يومِ عَـرفـة يُـكَـفِّـرُ سنَـتَـينِ، قالَ النبيُّ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:(صيامُ يومِ عَـرفـةَ أحـتسبُ على اللهِ أنْ يُكَـفِّـرَ السنةَ التي قـبلهُ والسنةَ التي بعـدَهُ)، وبعدَ معرفةِ المُسلمِ بمكانةِ وفضلِ العَـشرِ الأولى عـامـةً ويومِ عرفةَ خاصةً هل يَزهَـدُ فيها ويُقَـصِّـرُ؟ أم هل يتثاقلُ عنها أو يُماطِـلُ؟ واللهُ تعالى يقولُ:(وَقُلِ ٱعمَلُوا فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُ وَٱلمُؤمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَـالِمِ ٱلغَیبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ).